وَمَا كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ أَنَّ هَذِهِ الشِّرْذِمَةَ الْقَلِيلَةَ تُزَعْزِعُ أَرْكَانَ تِلْكَ الدُّوَلِ الْعَظِيمَةِ ، وَتَمْحُو أَسْمَاءَهَا مِنْ لَوْحِ الْمَجْدِ . وَمَا كَانَ يَخْتَلِجُ بِصَدْرٍ أَنَّ هَذِهِ الْعِصَابَةَ الصَّغِيرَةَ تَقْهَرُ تِلْكَ الْأُمَمَ الْكَبِيرَةَ ، وَتُمَكِّنُ فِي نُفُوسِهَا عَقَائِدَ دِينِهَا ، وَتُخْضِعُهَا لِأَوَامِرِهَا وَعَادَاتِهَا وَشَرَائِعِهَا ، لَكِنْ كَانَ كُلُّ ذَلِكَ ، وَنَالَتْ تِلْكَ الْأُمَّةُ الْمَرْحُومَةُ عَلَى ضَعْفِهَا مَا لَمْ تَنَلْهُ أُمَّةٌ سِوَاهَا . نَعِمَ قَوْمٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ مَجْدًا فِي الدُّنْيَا ، وَسَعَادَةً فِي الْآخِرَةِ .
هَذِهِ الْأُمَّةُ يَبْلُغُ عَدَدُهَا الْيَوْمَ زُهَاءَ مِائَتَيْ مِلْيُونٍ مِنَ النُّفُوسِ وَأَرَاضِيهَا آخِذَةٌ مِنَ الْمُحِيطِ الْإِتْلَانْتِيكِيِّ إِلَى أَحْشَاءِ بِلَادِ الصِّينِ - تُرْبَةٌ طَيِّبَةٌ ، وَمَنَابِتُ خِصْبَةٌ ، وَدِيَارٌ رَحْبَةٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ نَرَى بِلَادَهَا مَنْهُوبَةً ، وَأَمْوَالَهَا مَسْلُوبَةً ، تَتَغَلَّبُ الْأَجَانِبُ عَلَى شُعُوبِ هَذِهِ الْأُمَّةِ شَعْبًا شَعْبًا ، وَيَتَقَاسَمُونَ أَرَاضِيَهَا قِطْعَةً بَعْدَ قِطْعَةٍ ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا كَلِمَةٌ تُسْمَعُ ، وَلَا أَمْرٌ يُطَاعُ ،
حَتَّى إِنَّ الْبَاقِينَ مِنْ مُلُوكِهَا يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِي مُلِمَّةٍ ، وَيُمْسُونَ فِي كُرْبَةٍ مُدْلَهِمَّةٍ ، ضَاقَتْ أَوْقَاتُهُمْ عَنْ سِعَةِ الْكَوَارِثِ الَّتِي تُلِمُّ بِهِمْ ، وَصَارَ الْخَوْفُ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ مِنَ الرَّجَاءِ لَهُمْ .