وَالشُّعُوبِ عَلَى بَعْضٍ بِنَسَبِهَا ، وَفَضَّلَ بَعْضَ أَجْدَادِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ بِنُبُوَّةٍ أَوْ مَا دُونَهَا ، فَيُؤْتِيهِمُ الْمُلْكُ وَالسِّيَادَةَ وَالسَّعَادَةَ لِأَجْلِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يُنْسَبُونَ إِلَى مِلَلِهِمْ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا مِنْ آبَائِهِمْ ، كَمَا كَانَ شَأْنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي غُرُورِهِمْ وَتَفْضِيلِ أَنْفُسِهِمْ عَلَى جَمِيعِ الشُّعُوبِ بِنَسَبِهِمْ ، وَكَمَا فَعَلَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا سُنَنَهُمْ مِنَ النَّصَارَى ثُمَّ الْمُسْلِمِينَ ، بِالْغُرُورِ فِي الدِّينِ ، وَدَعْوَةِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّينَ ، وَبِكَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ ، وَإِنْ كَانُوا لَهُمْ مِنْ أَشَدِّ الْمُخَالِفِينَ . فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لِكُلِّ قَوْمٍ خَطَأَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَبِمَا سَبَقَ فِي مَعْنَاهَا ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهَا فِي سُورَةِ الرَّعْدِ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (13: 11) وَأَثْبَتَ لَهُمْ أَنَّ نِعَمَ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْأَقْوَامِ وَالْأُمَمِ مَنُوطَةٌ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا بِأَخْلَاقٍ وَصِفَاتٍ وَعَقَائِدَ وَعَوَائِدَ وَأَعْمَالٍ تَقْتَضِيهَا ، فَمَا دَامَتْ هَذِهِ الشُّئُونُ لَاصِقَةً بِأَنْفُسِهِمْ مُتَمَكِّنَةً مِنْهَا كَانَتْ تِلْكَ النِّعَمُ ثَابِتَةً بِثَبَاتِهَا ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ الْكَرِيمُ لِيَنْتَزِعَهَا مِنْهُمُ انْتِزَاعًا بِغَيْرِ ظُلْمٍ مِنْهُمْ وَلَا ذَنْبٍ ، فَإِذَا هُمْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ مَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ ، غَيَّرَ اللهُ عِنْدَئِذٍ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ، وَسَلَبَ نِعْمَتَهُ مِنْهُمْ ، فَصَارَ الْغَنِيُّ فَقِيرًا ، وَالْعَزِيزُ ذَلِيلًا