وَلِيَعْلَمِ الْقَارِئُ أَنَّ لِفَهْمِ الْكَلَامِ نَفْسِهِ دَرَجَاتٍ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَفْهَمُ مِنَ الْكَلَامِ إِلَّا مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ إِجْمَالٍ وَإِبْهَامٍ بِحَسَبِ مَا تُفَسَّرُ بِهِ الْمُفْرَدَاتُ فِي مَعَاجِمِ اللُّغَةِ، أَوْ مَعَ الْمُرَكَّبَاتِ بِحَسَبِ قَوَاعِدِ النَّحْوِ وَالْبَيَانِ، كَكَوْنِ لَفْظَيِ الصُّمِّ وَالْبُكْمِ هُنَا مِنْ مَجَازِ الِاسْتِعَارَةِ مَثَلًا، وَهَذَا الْفَهْمُ قَاصِرٌ لَا يَتَّسِعُ عَقْلُ صَاحِبِهِ لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ فَهْمُهُ تَفْصِيلِيًّا يَنْتَقِلُ مِنَ الْكُلِّيَّاتِ إِلَى الْجُزْئِيَّاتِ، وَيَعْدُو الْمَفْهُومَاتِ الذِّهْنِيَّةَ إِلَى الْمَاصَدَقَاتِ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُهَا بِمَعْزِلٍ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَتَصَوَّرُ أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ لِغَيْرِهِ وَفِي غَيْرِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْكَافِرِينَ أَوِ الْمُنَافِقِينَ، لَا فِي أَمْثَالِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِمَا تَنْهَى عَنْهُ وَتَتَوَعَّدُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، فَصَاحِبُهَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مَا أَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ،
وَإِنَّمَا الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا لِلسَّمَاعِ أَنْ تَسْمَعَ فَتَفْقَهَ، وَتَعْقِلَ وَتَتَدَبَّرَ فَتَعْتَبِرَ وَتَعْمَلَ، حَتَّى لَا تَقُولَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (67: 10) . انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 9 صـ 520 - 524}