المهاجرين السابقين الذين تركوا وراءهم كل شيء، وهاجروا إلى الله بعقيدتهم، لا يلوون على شيء من أعراض هذه الحياة الدنيا؛ وإما من الأنصار الذين آووا المهاجرين، وشاركوهم ديارهم وأموالهم، لا يبخلون بشيء من أعراض هذه الحياة الدنيا أو كما قال فيهم ربهم يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ. ولكننا نجد بعض التفسير لهذه الظاهرة في الروايات نفسها لقد كانت الأنفال مرتبطة في الوقت ذاته بحسن لبلاء في المعركة وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء؛ وكان الناس - يومئذ - حريصين على هذه الشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومن الله سبحانه وتعالى في أول وقعة يشفي الله فيها صدورهم من المشركين! .. ولقد غطى هذا الحرص وغلب على أمر آخر نسيه من تكلموا في الأنفال حتى ذكرهم الله سبحانه به، وردهم إليه .. ذلك هو ضرورة السماحة فيما بينهم في التعامل، والصلاح بين قلوبهم في المشاعر؛ حتى أحسوا ذلك في مثل ما قاله عبادة بن الصامت - رضي الله عنه .. «فينا أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. »
ولقد أخذهم الله سبحانه بالتربية الربانية قولا وعملا .. نزع أمر الأنفال كله منهم ورده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى أنزل حكمه في قسمة الغنائم بجملتها، فلم يعد الأمر حقا لهم يتنازعون عليه؛ إنما أصبح فضلا من الله عليهم، يقسمه رسول الله بينهم كما علمه ربه ... ».
أقول: وصف الله النفس البشرية بقوله: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وهو وصف معجز فالنفس البشرية شحها حاضر عند كل تصرف من تصرفاتها، والمسلم الذي أخذ حظه من التزكية يتغلب على شحه بمجاهدته نفسه وبحملها على الحق، ولم يكن الحق في شأن الغنائم واضحا، وإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أكثر خلق الله فيئة فبمجرد أن وضح الله لهم من هو صاحب الحق في الغنائم فاءوا.