ولإدراك الصلة بين سورة براءة والآيات الثلاث التي ذكرناها يكفي: أن نذكر أن في الآيات الثلاث يرد قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وفي سورة براءة يرد قوله تعالى: ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ وفى الآيات الثلاث يرد قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ وفي سورة براءة يرد قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ وفي الآيات الثلاث يرد قوله تعالى: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وفي سورة براءة يرد قوله تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...
إن هذه الاختيارات كافية للإشارة إلى ما ذكرنا من كون سورتي الأنفال وبراءة تفصيلا للآيات الثلاث من سورة البقرة، وسيأتي مزيد بيان أثناء عرضنا للسورتين.
إن هذا القرآن يتألف من أربعة أقسام - كما نص على ذلك الحديث - والقسم الأول ينتهي بنهاية سورة براءة، وإن كل سورة جاءت بعد سورة البقرة لها محورها في سورة البقرة، وهي إذ تفصل في هذا المحور، تفصل فيه، وفي امتداداته، وفي ارتباطاته، وهكذا فإن كل سورة من السور السبع التي جاءت بعد سورة البقرة من هذا القسم فصلت في أكثر من المحور، فكأن كل محور جذب إليه المعاني الأكثر لصوقا، ثم جاءت سورة تفصل في ذلك كله، وبهذا الذي قلناه ندرك لم كان تباعد بين محور سورتي الأنفال وبراءة، وبين محور سورة الأعراف، كما ندرك لم لم تأت سورة بعد براءة سور تفصل في محاور أخرى تأتي بعد الآيات الثلاث، وما ذلك - والله أعلم - إلا لأن معاني سورة البقرة قد فصلت التفصيل الأول في سور القسم، لأن كل سورة - كما قلنا - جذبت إلى محورها امتدادات هذا المحور وفصلت فيه
وقد رأينا براهين ذلك، وهذه واحدة لا ينقضي منها العجب في شأن هذا القرآن ولكنها واحدة من كثير، إن قلبا لا يؤمن بهذا القرآن أعمى، وإن قلبا لا ينصت لهذا القرآن غافل، وإن قلبا لا يتدبر معاني هذا القرآن مريض، ولننتقل إلى عرض سورة الأنفال: