وفي اللغة نجد أن"لن"تأتي تأبيدية ، أي تؤبد المستقبل أي لا يحدث ولا يتحقق ما بعدها . فهل معنى ذلك أن قول الحق: {لَن تَرَانِي} أن موسى لن يرى الله في الدنيا ولا في الآخرة؟ . ونقول: ومن قال إن زمن الآخرة هو زمن الدنيا؟ إن هذه لها زمن وتلك لها زمن آخر: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]
إذن فزمن الآخرة وإعادة الخلق فيها سيكون أمراً آخر ، يكفي أن أهل الجنة سيأكلون ولن تكون لهم فضلات ، إنه خلق جديد . إن مجيء"لن"في قوله الحق: {لَن تَرَانِي} تأبيدها إضافي ، أي بالنسبة للدنيا ، وفيها تعليل لعدم قدرة موسى على الرؤية ، وأضاف سبحانه: {ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً ...} [الأعراف: 143]
وسبحانه هنا يعلل لموسى بعملية واقعية فأوضح: لن تراني ولكن حتى أطمئنك أنك مخلوق بصورة لا تمكنك من رؤيتي انظر إلى الجبل ، والجبل مفروض فيه الصلابة ، والقوة ، والثبات ، والتماسك ؛ فإن استقر مكانه ، يمكنك أن تراني . إن الجبل بحكم الواقع ، وبحكم العقل ، وبحكم المنطق أقوى من الإِنسان ، وأصلب منه وأشد ، ولما تجلّى ربه للجبل اندك . والدكُّ هو الضغط على شيء من أعلى ليسوَّي بشيء أسفل منه . والحق هو القائل: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً} [الفجر: 21]