وهنا في موقف موسى وحواره مع الله يتأكد لنا أن الله تجلى على خلق من خلقه ، ولكن أيقدر المتجلَِّي عليه على هذا التجلي أم لا يقدر؟ . إن أقدره الله فهو يقدر ، أما إن لم يقدره الله فلن يقدر . والجبل هو الأصلب ، فلما تجلى له ربه اندك ، إذن فمن الممكن أن يتجلى الله على بعض خلقه ، ولكن المهم أيقوى المستقبل للتجلي أو لا يقوى؟ ولم تقو طبيعة موسى على التجلي لله بدليل أن الأقوى منه لم يقو . وبعد ذلك أراد الله أن يلفتنا لفتة تصاعدية . ويبين لنا أن موسى قد صعق لرؤية المتجلَّى عليه فكيف لو رأى المتجلِّي؟!! {فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً} . ويقال: خر الشيء إذا سقط من أعلى إلى أسفل ، ويقول الحق في آية قرآنية: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً ...} [ص: 24]
والحق يخبرنا هنا: {وَخَرَّ موسى صَعِقاً} ، وصعقه تُطلق ويراد بها الوفاة ، ولكن هنا صعقة أخرى تعبر عن الإِغماءة الطويلة . وصعقة الوفاة يقول فيها الحق سبحانه: {... فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68]
إذن النفخة الأولى لصعق وموت الجميع ، ثم تأتي النفخة الثانية للبعث . وهنا يقول الحق: {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} .