وحينما خص الله موسى بميزة أن تكلم إليه ، حصل من موسى استشراق اصطفائي ، وكأنه قال لنفسه: ما دام قد كلمني فقد أقدر أن أراه ؛ لأن استطابة الأنس تمد للنفس سبل الأمل في الامتداد في الأشياء مثلما قال موسى من قبل رداً على سؤال الله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى} [طه: 17]
كان الجواب يكفي أن يقول:"عصا"لكنه قال: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي ...} [طه: 18]
قال ذلك على الرغم من أن الحق لم يسأله: ما تفعل بها؟ وأراد بالكلام أن يطيل الأنس بربه ، وكأنه عرف أنه من غير اللائق أن يكون الجواب مجرد كلمة رداً على سؤال .
ولله المثل الأعلى - نجد الإِنسان منا حين يرى طفلاً صغيراً فهو يداعبه ويطيل الكلام معه إيناساً له . وحين وجد موسى أن الله يكلمه استشرفت نفسه أن يراه: {وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} .
لم يقل موسى: أرني ذاتك . بل قال: {أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ} كأنه يعلم أنه بطبيعة تكوينه يعرف أنه لا يمكن أن يرى الله ، لكن إن أراه الله ، فهذا أمر بمشيئة الحق وقدم موسى الطلب معلقاً بمشيئة الله وإرادته ؛ لأنه يعلم أنه غير معد لاستقبال رؤية الله ؛ لأن تكوينه لا يقوى على ذلك ، وحتى في الوحي والكلام لم يكلم ربنا الناس مباشرة ، بل لابد أن يصطفى من الملائكة رسلاً ، ثم تكون مرحلة ثانية أن يصطفى من البشر رسلاً ، ويبلغ الرسل الناس كلام الله ؛ لأن الصفات الكمالية العليا الخالقة لا يمكن أن يستوعبها المخلوق .