وقال بعضهم بعد أن بين كون الآية دليلاً على أن الرؤية جائزة في الجملة ببعض ما تقدم: ولذلك رده سبحانه بقوله: {لَن تَرَانِى} دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إلى تنبيها على أنه عليه السلامقاصر عن رؤيته تعالى لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه بعد ، وذلك لأن لن أرى يدل على امتناع الرؤية مطلقاً ولن أريك يقتضي أن المانع من جهته تعالى ، وليس في لن تنظر تنبيه على المقصود لأن النظر لا يتوقف على معد وإنما المتوقف عليه الرؤية والإدراك ، وعلل النيسابوري عدم كون الجواب لن تنظر إلى المناسب لأنظر إليك بأن موسى عليه السلام لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل أرني.
وانتصر بعضهم للمعتزلة بأن لهم أن يقولوا: إن طلب الإراءة متضمن لطلب رفع الموانع من الرؤية وإيجاد ما تتوقف هي عليه لأن معنى ذلك مكنى من الرؤية والتمكين إنما يتم بما ذكر من الرفع والإيجاد ، وكان الظاهر في رد هذا الطلب لن أمكنك من رؤيتي لكن عدل عنه إلى لن تراني إشارة إلى استحالة الرؤية وعدم وقوعها بوجه من الوجوه ، كأنه قيل: إن رؤيتك لي أمر محال في نفسه وتمكيني إنما يكون من الممكن ، ولو لم يكن المراد ذلك بل كان المراد أنك لا قابلية لك لرؤيتي لكان لموسى عليه السلام أن يقول يا رب أنا أعلم عدم القابلية لكني سألتك التمكين وهو متضمن لسؤال إيجادها لأنها مما تتوقف الرؤية عليه ، فعلى هذا لا يكون الجواب مفيداً لموسى عليه السلام ولا مقنعاً له بخلافه على الأول ، فيكون حينئذ هو المتعين.
فإن قيل: القابلية وعدم القابلية من توابع الاستعداد وعدم الاستعداد وهما غير مجعولين ، قلنا: هذا على ما فيه من الكلام العريض والنزاع الطويل مستلزم لمطلوبنا من امتناع الرؤية كما لا يخفى على من له أدنى استعداد لفهم الحقائق.