وتكلموا على الوجه الثاني من وجهين: الأول أنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط لأن الجبل حال سكونه كان مستقراً بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته ، والثاني أنا وإن سلمنا أن استقرار الجبل ممكن لكن لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن فإنه يصح أن يقال: إن انعدم المعلوم انعدم العلة ، والعلة قد تكون ممتنعة العدم مع إمكان المعلول في نفسه كالصفات بالنسبة إلى الذات عند المتكلمين ، والعقل الأول بالنسبة إليه تعالى عند الحكماء ، فيجوز أن تكون الرؤية الممتنعة متعلقة بالاستقرار الممكن ، والسر في جواز ذلك أن الارتباط بين المعلق والمعلق عليه إنما هو بحسب الوقوع بمعنى أنه إن وقع عدم المعلول وقع عدم العلة ، والممكن الذاتي قد يكون ممتنع الوقوع كالممتنع الذاتي فيجوز التعليق بينهما وليس الارتباط بينهما بحسب الإمكان حتى يلزم من إمكان المعلق عليه إمكان المعلق ، ثم إنا وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه من الوجهين على جواز الرؤية فهو معارض بما يدل على عدم الجواز فإن {لَنْ} في الآية لتأبيد النفي وتأكيده وأيضاً قول موسى عليه السلام: (تبت إليك) دليل كونه مخطئاً في سؤاله ولو كانت الرؤية جائزة لما كان مخطئاً ، والزمخشري عامله الله تعالى بعدله زعم أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية ، وذكر في كشافه ما ذكر وقال: ثم أعجب من المتسمين بالإسلام المسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم ، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
وجماعة سموا هواهم سنة...
لجماعة حمر لعمري موكفه
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا...
شنع الورى فتستروا بالبلكفه