وأجيب بأن المراد بالاراءة ليس إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقاً أو بالتجلي والظهور وهو مقدم على النظر وسبب له ، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم أي مكنى من رؤيتك أو تجل لي فانظر إليك وأراك {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال رب العزة حين قال موسى عليه السلام ذلك ، فقيل: قال: {لَنْ} أي لا قابلية لك لرؤيتي وأنت على ما أنت عليه ، وهو نفي للإراءة المطلوبة على أتم وجه {تَرَانِى ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} إستدراك لبيان أنه عليه السلام لا يطيق الرؤية ، والمراد من الجبل طور سيناء كما ورد في غير ما خبر ، وفي تفسير الخازن وغيره أن اسمه زبير بزاي مفتوحة وباء موحدة مكسورة وراء مهملة بوزن أمير {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} ولم يفتته التجلي {فَسَوْفَ تَرَانِى} إذا تجليت لك {فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} أي ظهر له على الوجه اللائق بجنابه تعالى بعد جعله مدركاً لذلك {جَعَلَهُ دَكّا} أي مدكوكاً متفتتاً ، والدك والدق أخوان كالشك والشق.
وقال سيخنا الكوراني: إن الجبل مندرج في الأشياء التي تسبح بحمد الله بنص {وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} [الإسراء: 44] المحمول على ظاهره عند التحقيق المستلزم لكونه حياً مدركاً حياة وإدراكاً لائقين بعالمه ونشأته ، وقيل: هذا مثل لظهور اقتداره سبحانه وتعلق إرادته بما فعل بالجبل لا أن ثم تجليا وهو نظير ما قرر في قوله تعالى: {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] من أن المراد أن ما قضاه سبحانه وأراد كونه يدخل تحت الوجود من غير توقف لا أن ثمة قولا.
وتعقبه صاحب الفوائد بأن هذا المعنى غير مفهوم من الآية لأن تجلي مطاوع جليته أي أظهرته يقال: جليته فتجلى أي أظهرته فظهر ولا يقدر تجلي اقتداره لأنه خلاف الأصل ، على أن هذا الحمل بعيد عن المقصود بمراحل.
وأخرج أحمد.
وعبد بن حميد.
والترمذي والحاكم وصححاه.