وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ عَلَى طَرِيقِهِمْ، وَفِي طَرِيقِهِمْ، قَالَ: وَإِلْقَاءُ الصِّفَةِ مِنْ هَذَا جَائِزٌ، كَمَا تَقُولُ: قَعَدْتُ لَكَ وَجْهَ الطَّرِيقِ، وَعَلَى وَجْهِ الطَّرِيقِ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ صِفَةٌ فِي الْمَعْنَى يَحْتَمِلُ مَا يَحْتَمِلُهُ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ وَالْعَامُ، إِذْ قِيلَ: آتِيكَ غَدًا، وَآتِيكَ فِي غَدٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ الْقُعُودَ مُقْتَضٍ مَكَانًا
يَقْعُدُ فِيهِ، فَكَمَا يُقَالُ: قَعَدْتُ فِي مَكَانِكَ، يُقَالُ: قَعَدْتُ عَلَى صِرَاطِكَ، وَفِي صِرَاطِكَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
لَدْنٍ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
فَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَقُولُ ذَلِكَ فِي أَسْمَاءِ الْبُلْدَانِ، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ: جَلَسْتُ مَكَّةَ وَقُمْتُ بَغْدَادَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} مِنْ قِبَلِ الْآخِرَةِ، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} مِنْ قِبَلِ الدُّنْيَا، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ، {وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} مِنْ قِبَلِ الْبَاطِلِ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}
يَقُولُ: «أُشَكِّكُهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ» ، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} «أُرَغِّبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ» ، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} "أُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ، {وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} «أُشَهِّي لَهُمُ الْمَعَاصِيَ» "
عَنْ قَتَادَةَ:"أَتَاهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ، وَمِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، فَزَيَّنَهَا لَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ: مِنْ قِبَلِ حَسَنَاتِهِمْ بَطَّأَهُمْ عَنْهَا، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ: زَيَّنَ لَهُمُ السَّيِّئَاتِ وَالْمَعَاصِيَ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا وَأَمَرَهُمْ بِهَا، أَتَاكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِكَ مِنْ فَوْقِكَ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَحْمَةِ اللَّهِ"