مِنْ آيَاتِنَا فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، فَوَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إِذْ لَمْ يَقُلْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ، لِبَيَانِ أَنَّ الْمُكَذِّبَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالْحُجَجِ الظَّاهِرَةِ - إِصْرَارًا عَلَى تَقَالِيدِهِ الْبَاطِلَةِ - إِنَّمَا يَكُونُ صَاحِبَ هَوًى وَظَنٍّ لَا صَاحِبَ عِلْمٍ وَحُجَّةٍ.
(وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أَيْ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى جَهْلِهِمْ وَاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فَيَحْمِلُهُمُ الْإِيمَانُ عَلَى سَمَاعِ الْحُجَّةِ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ فَيَتَّخِذُونَ لَهُ مَثَلًا وَعِدْلًا يُعَادِلُهُ وَيُشَارِكُهُ فِي جَلْبِ الْخَيْرِ وَالنَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ بِاسْتِقْلَالِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَبِحَمْلِهِ لِلرَّبِّ عَلَى ذَلِكَ وَالتَّأْثِيرِ فِي عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ.
وَمِنْ مَبَاحِثِ اللَّفْظِ أَنَّ"هَلُمَّ"اسْمٌ بِمَعْنَى فِعْلِ الْأَمْرِ يَسْتَوِي فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَعَالِيَةِ
نَجْدٍ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعُ، وَيَقُولُ الْبَصْرِيُّونَ: إِنَّ أَصْلَهُ"هَا"الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ وَ"لُمَّ"الَّتِي بِمَعْنَى الْقَصْدِ، وَفِعْلُهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَيُجْمَعُ فِي لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ فَيُقَالُ: هَلُمِّي وَهَلُمَّا وَهَلُمُّوا. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 8 صـ 154 - 161}