وقد ضرب للنفس الإِنسانية وما فيها من الخير والشر مثل بدولاب أَو طاحون شديد الدوران ، أَى شيء خطفه أَلقاه تحته وأَفسده ، وعنده قيِّمة الذي يديره وقد أَحكم أَمره لينتفع به ولا يضر أَحداً ، فربما جاءَ الغر الذي لا يعرف فيتقرب منه فيخرق ثوبه [أوبدنه] أَو يؤذيه ، فإذا قيل لصاحبه: لم لم تجعله ساكناً لا يؤذى من اقترب منه ؟ قال: هذه الصفة اللازمة التي كان بها دولاباً وطاحوناً ، ولو [جعل] على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه. وكذلك إذا أوقدنا نار الأَتون التي تحرق ما وقع فيها وعندها وقاد حاذق يحشوها ، فإذا غفل عنها أَفسدت وإذا أَراد أحد أَن يقرب منها نهاه وحذره ، فإذا استغفله من قرب منها حتى أَحرقته لم يقل لصاحب النار: هلا قللت حرها لئلا تفسد من يقرب منها وتحرقه ؟ فإنه يقول: هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها ، ولو جعلتها دون ذلك لم تحرق أَحجار الكلس ، ولم تطبخ الآجر ، ولم تنضج الأَطعمة الغليظة ونحو ذلك ، فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النار من نفعها هو من فضل الله ورحمته ، وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التي خلقت عليها والتي لا تكون ناراً إلا بها ، فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن ناراً ، وكذلك النفس: فما يحصل لها من شر فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها وما يحصل لها من خير فهو من فضل الله ورحمته ، والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك ، فأَما الأُمور العدمية فهي باقية على ما [كانت] عليه من العدم ، والإِنسان جاهل ظالم بالضرورة كما قال تعالى: {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] ، فإِن الله أَخرجه من بطن أُمه لا يعلم شيئاً [والظلم هو النقص ، كما قال تعالى: {آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئاً} [الكهف: 33] أي ما نقص منه شيئاً] ، وهي ظالمة نفسها فهي الظالمة والمظلومة ،