وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء والغذاء موضع الدواء ، والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه والإمساك حيث يليق الاستفراغ وكذلك وضع الماءَ موضع الطعام والطعام موضع الماءِ ، وأَمثال ذلك مما يخل بالحكمة ، بل لو أقبل على الحيوان البهيم يريد تعليمه ما لم يخلق له من العلوم والصنائع ، فمن بهرت حكمته العقول والألباب كيف ينبغى له أن يضع الأشياء فِي غير مواضعها اللائقة بها ؟ ومن المعلوم أن أَجلَّ نعمة على عبده نعمة الإيمان به ومعرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته. ومن المعلوم أيضاً أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه ، ومنها الطيب ، وبين ذلك ، وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكى ، والقلب الخسيس الخبيث ، وهو سبحانه خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار والبرد والحر والداء والدواء والعلو والسفل وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها ، وإيداعها عندها ، ويزكو [بذروها] فيها ، فيكون تخصيصه لها بهذه النعم كتخصيص الأرض الطيبة القابلة [للبذر] بالبذر ، فليس من الحكمة أن يبذر البذر فِي الصخور والرمال والسباخ ، وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة فِي المحال التي هي أخبث المحال.
فالله [عز وجل] أعلم حيث يجعل رسالاته أصلاً وميراثاً فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل والقيام بحقه والصبر على أوامره والشكر لنعمه والتقرب إليه ، ومن لا يصلح لذلك. وكذلك هو سبحانه أعلم بمن يصلح من الأُمم لوراثة رسله والقيام بخلافتهم وحمل ما بلغوه عن ربهم
قال عبد الله بن مسعود: إن الله نظر فِي قلوب العباد فرأى قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير
قلوب أهل الأرض فاختصه برسالته ، ثم نظر فِي قلوب العباد فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبته.