ليس رجوع من أقبل عليه ثم أعرض عنه ، بل رجوع من لا يعرض عن ربه بل لا يزال مقبلاً عليه إذا كان لا بد له منه ، فهو معبوده وهو مستغاثه ، لا صلاح له إلا بعبادته ، فإن لم يكن معبوده هلك وفسد ، ولا يمكن أن يعبده إلا بإعانته. وفى الحديث:"مثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ"
الْفَرَسِ فِى آخِيَتِهِ يَجُولُ ثُمَّ يَرْجَعُ إِلَى آخِيَتِهِ ، كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَجُولُ ثُمَّ يَرْجَعُ إِلَى الإِيْمَانِ"."
فقوله:"أبوءُ"يتضمن أنى وإن جلت كما يجول الفرس - إما بالذنب وإما بالتقصير فِي الشكر - فإنى راجع منيب أوّاب إليك ، رجوع من لا غنى له عنك. وذكر النعمة والذنب لأن العبد دائماً يتقلب بينهما ، فهو بين نعمة من ربه وذنب منه هو ، كما فِي الأثر الإلهى:"ابنَ آدم خيرى إليك نازل ، وشرك إلى صاعد ، كم أتحبب إليك بالنعم وأنا غنى عنك ، وكم تتبغض إلى بالمعاصى وأنت فقير إلى ولا يزال الملك الكريم يعرج إلى منك بعمل قبيح"
وكان فِي زمن الحسن البصري شاب لا يرى إلا ه ، وحدفسأله الحسن عن ذلك فقال: إنى أجدنى بين نعمة من الله وذنب منى فأريد أن أُحدث للنعمة شكراً وللذنب استغفاراً ، فذلك الذي شغلنى عن الناس أو كما قال. فقال له: أنت أفقه [عندي] من الحسن.