ذلك، فيصح أن يقال: إن النطفة بعد الأَربعين تكون علقة ومضغة، ويصور خلقها، وتركب فيها العظام والجلد، ويشق لها السمع والبصر، وينفخ فيها الروح ويكتب شقاوتها وسعادتها. وهذا لا يقتضى وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل. وهذا وجه حسن جداً.
والمقصود أن تقدير الشقاوة والسعادة والخلق والرزق سبق خروج العبد إلى دار
الدنيا، فأسكنه الجنة أو النار وهو فِي بطن أمه. وفى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ"الحديث. وفى صحيح البخارى عن أبى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نبي وَلا اسْتَخْلَفَ مَنْ خَلِيفة إِلا كَانَ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَهُ اللهُ"
وفى سنن ابن ماجه عن عدى بن حاتم أنه قال: أَتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"يَا عدِى أَسْلِمْ تَسْلَم"قلت: وما الإسلام؟ قال:"تَشْهَدُ أَنَّ لا إلَهَ إِلا اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ، وَتُؤْمِنُ بِالأَقْدَارِ كُلِّهَا خَيْرِها وَشَرِّهَا وَحُلْوَهَا وَمُرِّهَا"وفى صحيح البخارى من حديث الحسن عن عمرو بن تغلب قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم مال، فأعطى قوماً ومنع آخرين فبلغه أنهم عتبوا، فقال:"إِنِى أَعْطِى الرَّجُل وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِى أَدَعُ أَحَبُّ إِلَى مِنَ الَّذِى أَعْطِى، أَعْطِى أَقْوَاماً لِمَا فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْجَزَعِ وَالهَلَع، وَأَكِلُ أَقْوَاماً إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِى قُلُوبِهِمْ مِنَ الْقَنَاعَةِ وَالْخَيْرِ الحديث."