ولهذا ، كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الربّ وعزته وحكمته . ولهذا يقرن تعالى بين الاسمين والصفتين من هذه الثلاثة كثيراً كقوله: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: 6] ، وقال: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [غافر: 2] ، وقال: {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجاثية: 2] ، وقال في (حم فصّلت ، بعد ذكر تخليق العالم) : {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت 12] ، وذكر نظير هذا في (الأنعام) فقال: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام: 96] . فارتباط الخلق بقدرته التامة يقتضي أن لا يخرج موجود عن قدرته . وارتباطه بعلمه التام يقتضي إحاطته به وتقدّمه عليه . وارتباطه بحكمته يقتضي وقوعه على أكمل الوجوه وأحسنها ، واشتماله على الغاية المحمودة المطلوبة للربّ سبحانه . وكذلك أمره بعلمه وحكمته وعزته ، فهو عليم بخلقه وأمره ، حكيم في خلقه وأمره . ولهذا كان (الحكيم) من أسمائه الحسنى . فالحكمة من صفاته العُلَى ، والشريعة الصادرة عن أمره مبناها على الحكمة ، والرسول المبعوث بها مبعوث بها مبعوث بالكتاب والحكمة . والحكمة هي سنة الرسول ، وهي تتضمّن العلم بالحق والعمل به والخبر عنه والأمر به . فكلّ هذا يسمّى حكمة . وفي الأثر: الحكمة ضالّة المؤمن . وفي الحديث: ( إنّ من الشعر الحكمة ) . فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته ، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده . وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشرٍّ حمداً استحقه لذاته ، وصدر عنه خلقُه وأمرُه . فمصدر ذلك كله عن الحكمة فإنكار الحكمة إنكار لحمده في الحقيقة ، والله أعلم . انتهى .