فالمؤمن في هذه الدار سبي من دار الجنة والنعيم إلى دار التعب والعناء، ثم ضرب عليه الرق فيها، فكيف يلام على حنينه إلى داره التي سبي منها، وفرق بينه وبين ما يحب، وجمع بينه وبين عدوه؟.
فروحه دائماً معلقة بذلك الوطن، وبدنه في الدنيا.
ولهذا كان المؤمن غريباً في هذه الدار، أين حل منها فهو في دار غربة، إلى أن تنقضي ويصير إلى وطنه ومنزله.
والروح نؤمن بوجودها في البدن، ولا نعلم كيفيتها، ولا اختصاص للروح
بشيء معين في الجسد، بل هي سارية في الجسد كله، والحياة مشروطة بالروح، فما دامت فيه كانت فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة.
وأرواح الموتى قسمان:
أرواح معذبة .. وأرواح منعمة.
فالأرواح المعذبة في شغل بما هي فيه عن التزاور والتلاقي.
والأرواح المنعمة المرسلة تتلاقى وتتزاور، وتتذاكر ما كان منها في الدنيا، وما يكون من أهل الدنيا.
والأرواح مخلوقة مع الأجساد، والملك الموكل بنفخ الروح في الجسد ينفخ فيه الروح إذ مضى على النطفة أربعة أشهر، وذلك أول حدوث الروح فيه.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكاً فَيُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقال لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأجَلَهُ وَشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» متفق عليه.
والمؤمنون تفتح لأرواحهم عند الموت أبواب السماء .. وتفتح لأجسادهم أبواب الجنة .. وأما الكفار فلا تفتح لأرواحهم أبواب السماء .. ولا تفتح لأجسادهم أبواب الجنة كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) } [الأعراف: 40] .