وقال ابن عطاء: السخاء بذل النفس والسر والروح والكل ، ومن بخل فِي طريق الحق بماله حجب وبقي معه ، ومن نظر إلى الغير حرم فوائد الحق وسواطع أنوار القرب {لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [آل عمران: 181] وهم اليهود حيث سمعوا الاستقراض ولم يفهموا سره فوقعوا فيما وقعوا وقالوا ما قالوا ، وهذا القول إنما يجر إليه الطغيان وغلبة الصفات الذميمة واستيلاء سلطان الهوى على النفس الأمارة فتطلب حينئذ الارتداء برداء الربوبية ، ومن هنا تقول: (أنا ربكم الأعلى) أحياناً مع حجابها وبعدها عن الحضرة {الذين قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَن لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار} قيل: إنه روي أن أنبياء بني إسرائيل كانت معجزتهم أن يأتوا بقربان فيدعوا الله تعالى فتأتي نار من السماء فتأكله ، وتأويله أن يأتوا بنفوسهم يتقربون بها إلى الله تعالى ويدعون بالزهد والعبادة فتأتي نار العشق من سماء الروح فتأكله وتفنيه فِي الوحدة وبعد ذلك تصح نبوتهم وتظهر فلما سمع بذلك عوام بني إسرائيل اعتقدوا ظاهره الممكن فِي عالم القدرة فاقترحوا على كل نبي تلك الآية إلى أن جاء نبينا صلى الله عليه وسلم فاقترحوا عليه ونقل الله تعالى ذلك لنا ورده عليهم ، وأولى من هذا فِي باب التأويل أن يهود صفات النفس البهيمية والشيطانية قالوا لرسول الخاطر الرحماني والإلهام الرباني لا ننقاد لك {حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ} هو الدنيا وما فيها تجعلها نسيكة لله عز وجل فتأكلها نار المحبة {قُلْ} يا وارد الحق {قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى} أي واردات الحق {بالبينات} بالحجج الباهرة {وبالذي قُلْتُمْ} وهو جعل الدنيا وما فيها قربناً {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} أي غلبتموهم ومحوتموهم حتى لم تبقوا أثراً لتلك الواردات