فذهب طائفة إلى أنها للتبيين لأنه ما من مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه ، وكيف لا وقد وصفهم الله تعالى بذك فِي قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} فهذا كقولك: لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر . وتريد جميع الأولاد والغلمان لا بعضهم . ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به بعض سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات . وقال آخرون: إنها للتبعيض إما لأن فِي القوم من لا يقدر على الدعوة وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنساء والمرضى والعاجزين ، وإما لأن هذا التكليف مختص بالعماء الذين يعرفون الخير ما هو والمعروف والمنكر ما هما ، ويعلمون كيف يرتب الأمر فِي إقامتهما ، وكيف يباشر فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر ، وربما عرف الحكم فِي مذهبه وجهله فِي مذهب صاحبه فنهاه عن غير منكر ، وقد يغلظ فِي موضع اللين ويلين فِي موضع الغلظة ، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً . وأيضاً قد أجمعنا على أن ذلك واجب على الكفاية ، فكان هذا بالحقيقة إيجاباً على البعض الذي يقوم به . ثم إن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية وهو المحتسب .