{وَيَأْمُرُونَ} الناس {بِالْمَعْرُوفِ} شرعًا، والمعروف كلُ ما استحسنه الشرع والعقل، والأمر بالمعروف تابع للمأمور به، إن كان واجبًا .. فواجب، وإن كان مندوبًا .. فمندوب {وَيَنْهَوْنَ} الناس {عَنِ الْمُنْكَرِ} شرعًا، والمنكر ضد المعروف، وهو ما عرف بالعقل، والشرع قبحه. فالنهي عن الحرام واجب كله، لأن تركه واجب. وهذه الأمور من فروض الكفاية؛ لأنها لا تليق إلا من العالم بالحال، وسياسة الناس حتى لا يوقع المأمور، أو المنهي في زيادة الفجور، فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل، وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة.
وقوله {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} من باب عطف الخاص على العام؛ إظهارًا لترفهما، وأنهما الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله عباده بالدعاء إليه كما قيل، في عطف جبريل وميكال على الملائكة، وحذف مفعول الأفعال الثلاثة إيذانًا بالعموم؛ أي: كل من وقع منه سبب يقتضي ذلك.
وقرأ الجمهور {وَلْتَكُنْ} بإسكان اللام، وقرأ أبو عبد الرحمن، والحسن، والزهري، وعيسى بن عمر، وأبو حيوة، بكسرها، وعلة بنائها على الكسر مذكورةٌ في كتب النحو، وسنبينها لك في مقام الإعراب إن شاء الله تعالى.
وقرأ عثمان وعبد الله بن الزبير {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم} قال أبو بكر ابن الأنباري: وهذه الزيادة تفسيرٌ من ابن الزبير، وكلام من كلامه، غلط فيه بعض الناقلين عنه، فألحقه بألفاظ القرآن، وقد روي عن عثمان كما مر آنفًا أنه قرأها كذلك، ولكن لم يكتبها في مصحفه، فدل على أنها ليست من القرآن.
وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع مقامها.