ومعنى «يَبْغُونَ» يطلبون. يقال بغى الأمر يبغيه بغاء - بضم الباء - أي طلبه. وقوله - تعالى - «وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً» جملة حالية. أي أيبغون دينا غير دين الله والحال أن الله - تعالى - استسلم وانقاد وخضع له من في السماوات والأرض طوعا وكرها. أي طائعين وكارهين فهما مصدران في موضع الحال.
والمراد أن كل من في السماوات والأرض قد انقادوا وخضعوا لله - تعالى - إما عن طواعية واختيار وهم المؤمنون لأنهم راضون في كل الأحوال بقضائه وقدره، ومستجيبون له في المنشط والمكره والعسر واليسر. وإما عن تسخير وقهر وهم الكافرون لأنهم واقعون تحت سلطانه العظيم وقدرته النافذة، فهم مع كفرهم لا يستطيعون دفع قضائه - سبحانه - وإذن فهم خاضعون لسلطانه - عز وجل - لأنهم لا سبيل لهم ولا لغيرهم إلى الامتناع عن دفع ما يريده بهم.
هذا، وقد ساق الفخر الرازي جملة آراء في معنى الآية الكريمة ثم اختار أحدها فقال ما ملخصه: في خضوع من في السماوات والأرض لله وجوه: أصحها عندي أن كل ما سوى الله - سبحانه - ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فإنه لا يوجد إلا بإيجاده، ولا يعدم إلا بإعدامه، فإن كل ما سوى الله فهو منقاد خاضع لجلال الله في طرفي وجوده وعدمه. وهذا هو نهاية الخضوع والانقياد. ثم إن في هذا الوجه لطيفة أخرى: وهي أن قوله «وَلَهُ أَسْلَمَ» يفيد الحصر، أي وله كل ما في السماوات والأرض لا لغيره.
فهذه الآية تفيد أن واجب الوجود واحد، وأن كل ما سواه فإنه لا يوجد إلا بتكوينه، ولا يفنى إلا بإفنائه والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقوله «وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» أي إليه وحده يرجع الخلق فيجازى كل مخلوق بما يستحقه من خير أو شر.
ففي الجملة الكريمة تحذير من الإعراض عن دينه، لأنه ما دام مرجع الخلق جميعا إليه - سبحانه - فعلى العاقل أن يسلم نفسه إلى خالقه اختيارا قبل أن يسلمها اضطرارا، وأن يستجيب لأوامره ونواهيه، حتى ينال رضاه.