وعلى هذا الوجه يكون فعل الشرط مكونا من جملتين:
الأولى: آتَيْتُكُمْ.
والثانية: ثُمَّ جاءَكُمْ وهما معا في محل جزم بما الشرطية. وقوله لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ جواب القسم الذي تضمنه قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وجواب الشرط محذوف، لأن القاعدة النحوية أنه إذا اجتمع شرط. وقسم فالجواب المذكور للسابق منهما وجواب اللاحق محذوف وهنا السابق هو القسم. قال ابن مالك:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم
وأما على قراءة الكسر التي قرأها حمزة فتكون اللام للتعليل كأنه قيل: اذكر وقت أن أخذ الله ميثاق النبيين، لأن إيتاءهم الكتاب والحكمة، ثم مجيء من يصدقهم يوجب عليهم الإيمان بهذا الرسول المصدق لما معهم ويوجب عليهم نصرته.
والمراد بالكتاب: ما أنزله الله - تعالى - على هؤلاء النبيين من كتب تنطق بالحق.
والمراد بالحكمة: الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة التي لم يشتمل عليها الكتاب.
أو المراد بها العلم النافع الذي أعطاه - سبحانه - لهم، ووفقهم للعمل به.
ومِنْ في قوله مِنْ كِتابٍ للبيان.
قال القرطبي: والمراد بالرسول هنا محمد صلّى الله عليه وسلّم واللفظ وإن كان نكرة فالإشارة إلى معين، كقوله - تعالى - «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً» إلى قوله - تعالى - «وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ» فأخذ الله ميثاق النبيين أجمعين أن يؤمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وينصروه إن أدركوه، وأمرهم أن يأخذوا بذلك الميثاق على أممهم».
ثم حكى - سبحانه - ما قاله لهم بعد أن أمرهم بالإيمان بهذا الرسول وبنصرته فقال:
«قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي» ؟.
والإصر: العهد. وأصله من الإصار - أي الحبال التي يعقد بها الشيء ويشد - وسمى العهد إصرا لأنه تقوى به الأقوال والعقود.
أي - قال الله - تعالى - للنبيين: أأقررتم بهذا الذي أمرتكم به وقبلتم عهدي؟ والاستفهام للتقرير والتوكيد عليهم لاستحالة معناه الحقيقي في حقه - سبحانه - .