وإذا كانت الوسائل تختلف أحيانا قليلة، فالغاية واحدة، وهي الرحمة، وإقامة الحق والقسط بين الناس.
وكل نبي متمم ما بدأ به النبي الذي سبقه، أو بالأحرى يؤكد ما جاء به ويوثقه ويقويه، حتى ختم الله أنبياءه بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فكان خاتم النبيين، ولذلك كان حقا على كل نبي أن يصدق ويؤمن بما يجيء به النبي الذي بعده، والذي أعلمه الله تعالى به، وإذا كان حقا على النبي المبعوث أن يؤمن بمن سبقه، ومن يجيئون بعده ممن أخبره الله تعالى بمجيئهم، فإنه بلا ريب حق على الذين يتبعونه أن يصدقوا ذلك النبي الذي يجيء بعده؛ لأنهم يتبعونه في كل ما يؤمن به؛ فحق على اليهود والنصارى بمقتضى العهد الذي أخذه الله على النبيين، وبمقتضى إيمان هؤلاء النبيين، وتنفيذا لهذا العهد، أن يؤمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا ما كانوا متبعين لموسى وعيسى عليهما السلام، إنما يكونون متبعين لأهوائهم وشهواتهم؛ ولذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه جابر:"لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني".
هذا هو معنى النص الكريم بالإجمال، بقي أن ننظر في تخريج هذه المعاني السامية من الألفاظ المقدسة، فنقول: إن في الآيتين قراءتين، إحداهما: القراءة بفتح"اللام"وتكون اللام في هذه الحال هي اللام الموطئة للقسم، التي تُشْعِرُ بأن في الكلام قسمًا تضمنه سابقها، وأن ما بعدها يتضمن الجواب؛ وتكون (ما) شرطية، ويكون معنى الكلام: مهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لَا معكم لتؤمنن؛ أي أنه ميثاق الله وعهده إن أتاكم علم الكتاب والحكمة، وهي الشريعة الحاكمة، وجاء رسول أن تؤمنوا فالعهد الأساس بينكم معشر الرسل، وبين من أرسلكم، أنه إن جاء كتاب الرسالة، وشريعتها التي هي حكمتها الحاكمة هو أن تؤمنوا بكل رسول يجيء بعدكم مصدقا لَا معكم كإيمانكم بكتابكم: هذا تخريج معاني الآية على قراءة فتح"اللام".