واعلم أن كلا الوجهين جائز فِي اللغة، وإنما احتمل الوجهين بسبب الإدغام الواقع فِي {لا يُضَارَّ} أحدهما: أن يكون أصله لا يضارر، بكسر الراء الأولى، فيكون الكاتب والشهيد هما الفاعلان للضرار
والثاني: أن يكون أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى، فيكون هما المفعول بهما الضرار ونظير هذه الآية التي تقدمت فِي هذه السورة، وهو قوله {لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا} وقد أحكمنا بيان هذا اللفظ هناك، والدليل على ما ذكرنا من احتمال الوجهين قراءة عمر رضي الله عنه {وَلاَ يضارر} بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس {وَلاَ يضارر} بالإظهار والفتح، واختار الزجاج القول الأول، واحتج عليه بقوله تعالى بعد ذلك {وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} قال: وذلك لأن اسم الفسق بمن يحرف الكتابة، وبمن يمتنع عن الشهادة حتى يبطل الحق بالكلية أولى منه بمن أضر الكاتب والشهيد، ولأنه تعالى قال فيمن يمتنع عن أداء الشهادة {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] والإثم والفاسق متقاربان، واحتج من نصر القول الثاني بأن هذا لو كان خطاباً للكاتب والشهيد لقيل: وإن تفعلا فإنه فسوق بكم، وإذا كان هذا خطاباً للذين يقدمون على المداينة فالمنهيون عن الضرار هم والله أعلم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 103 - 104}
قوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} فيه ثلاثة أقوال:
الأوّل لا يكتب الكاتب ما لم يُمْلَ عليه، ولا يزيد الشاهد فِي شهادته ولا ينقص منها.
قاله الحسن وقتادة وطاوس وابن زيد وغيرهم.
وروي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أنّ المعنى لا يمتنع الكاتب أن يكتب ولا الشاهد أن يشهد.
"وَلاَ يُضَارَّ"على هذين القولين أصله يُضَارِرَ بكسر الراء، ثم وقع الإدْغام، وفتحت الراء فِي الجزم لخفّة الفتحة.