وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ هِيَ أَنْ تَرْتَقِيَ وَيَتَّسِعَ وُجُودُهَا فِي الدُّنْيَا ، فَيَعْظُمَ خَيْرُهَا وَيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِهَا ، وَتَكُونُ فِي الْآخِرَةِ أَهْلًا لِجِوَارِ اللهِ تَعَالَى مَعَ النَّبِيَّيْنِ وَالصِّدِّيقِينِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ، وَجَعَلُوا أَكْثَرَ أَعْمَالِهِمْ خِدْمَةً لِلنَّاسِ وَسَعْيًا فِي خَيْرِهِمْ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَشْتَرِ أَنْفُسَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحُظُوظِ وَالشَّهَوَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الْخَسِيسَةِ; لِأَجْلِ نَفْعِهِ سُبْحَانَهُ أَوْ دَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ ، فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ، وَإِنَّمَا شَرَعَ هَذَا لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ بِاتِّسَاعِ وُجُودِهِ وَعُمُومِ نَفْعِهِ سَيِّدَ النَّاسِ ، فَلْيَعْرِضْ مُدَّعُو الْإِيمَانِ أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ وَآثَرُوا مَرْضَاتِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ ، فَلْيَعْرِضْهُ غَيْرُهُ مِنَ الْمُنْصِفِينَ عَلَيْهَا ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ وَاسِعُ الْوُجُودِ خَادِمٌ لِلْأُمَّةِ وَالْمِلَّةِ ، لَا جَرَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (49: 14) فَإِنَّ مَعْنَى أَسْلَمْنَا انْقَدْنَا لِأَحْكَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ وَأَخَذْنَا بِأَعْمَالِهِ الْبَدَنِيَّةِ .
وَكَثِيرٌ مِمَّنْ تُعْجِبُكَ أَقْوَالُهُمْ مِنْ صِنْفِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُصَلُّونَ