إِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ لِذَلِكَ ، فَكَيْفَ إِذَا أَلْجَأَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَجِهَادِ أَعْدَاءِ الْمِلَّةِ وَالْأُمَّةِ عِنْدَ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمَا ، أَوِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فَرْضًا عَيْنِيًّا عَلَى جَمِيعِ الْأَفْرَادِ فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِمَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِهِمَا مَعًا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَسَبِيلُ اللهِ هِيَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى مَرْضَاتِهِ ، وَهِيَ الَّتِي يَحْفَظُ بِهَا دِينَهُ وَيُصْلِحُ بِهَا حَالَ عِبَادِهِ . وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي مِنَ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكْتَسِبَ بِالْحَلَالِ ، وَيَتَمَتَّعَ بِالْحَلَالِ ، وَيَنْفَعَ نَفْسَهُ وَلَا يَضُرَّ غَيْرَهُ ، وَأَنْ يُصَلِّيَ وَيَصُومَ; لِأَنَّ كُلَّ هَذَا يَعْمَلُهُ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ أَوْسَعَ وَعَمَلُهُ أَشْمَلَ وَأَنْفَعَ ، فَيُسَاعِدَ عَلَى نَفْعِ النَّاسِ وَدَرْءِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ ، وَتَعْزِيزِ الْأُمَّةِ بِالْمَالِ وَالْأَعْمَالِ ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الْخَيْرِ وَمُقَاوَمَةِ الشَّرِّ ، وَلَوْ أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى بَذْلِ رُوحِهِ ، فَإِنْ قَصَّرَ فِي وَاجِبٍ يَتَعَلَّقُ بِحِفْظِ الْمِلَّةِ وَعِزَّةِ الْأُمَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ آثَرَ نَفْسَهُ عَلَى مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى ، وَخَرَجَ مِنْ زُمْرَةِ كَمَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَكَانَ أَكْبَرَ إِجْرَامًا مِمَّنْ يُقَصِّرُ فِي وَاجِبٍ لَا يَضُرُّ تَقْصِيرُهُ فِيهِ إِلَّا بِنَفْسِهِ ؛ ذَلِكَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَرْبِيَةِ النَّفْسِ بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ