وَلَا يَصُومُونَ ، وَلَا يُزَكُّونَ وَلَا يَحُجُّونَ ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، وَيَأْتُونَ كَثِيرًا مِنَ الْكَبَائِرِ جِهَارًا ، وَيُصِرُّونَ عَلَيْهَا إِصْرَارًا .
ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي; أَيْ: يَبِيعُ نَفْسَهُ ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْخُلَّصُ كَمَا فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى ، وَالْإِخْبَارُ بِذَلِكَ أَقْوَى فِي طَلَبِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ وَأَدُلُّ عَلَى تَقْرِيرِهِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِثَالِ الْمَأْمُورِينَ ، وَالْإِخْبَارَ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْوُقُوعِ ، فَالْقُرْآنُ يُصَوِّرُ الْمُؤْمِنِينَ عَامِلِينَ بِمُقْتَضَى الْإِيمَانِ .
ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُ مَا شَرَعَ هَذَا إِلَّا رَأْفَةً بِعِبَادِهِ فَقَالَ: (وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) إِذْ يَرْفَعُ هِمَمَ بَعْضِهِمْ وَيُعْلِي نُفُوسَهُمْ حَتَّى يَبْذُلُوهَا فِي سَبِيلِهِ لِدَفْعِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ عَنْ عِبَادِهِ وَتَقْرِيرِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالْخَيْرِ فِيهِمْ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَغَلَبَ شَرُّ أُولَئِكَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهَا صَلَاحٌ (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (2: 251) وَإِنَّ هَذَا يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ فِي إِزَالَةِ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ بَيْعَ النَّفْسِ يُؤْذِنُ بِتَرْكِ الدُّنْيَا ، وَأَلَّا يُمَتِّعَ الْمُؤْمِنُ نَفْسَهُ بِلَذَّاتِهَا ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ - وَهُوَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ - لَمَا قَرَنَهُ اللهُ تَعَالَى بِاسْمِهِ الرَّءُوفِ الدَّالِّ عَلَى سِعَةِ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ ، فَيَالَلَّهُ مَا أَعْجَبَ بَلَاغَةَ كَلَامِ اللهِ ، وَمَا أَعْظَمَ خِذْلَانَ الْمُعْرِضِينَ عَنْ هُدَاهُ .