فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى: وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِ هِدَايَةِ اللَّهِ إِيَّاكُمْ لِمَا هَدَاكُمْ لَهُ مِنْ مِلَّةِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي اصَّطَفَاهَا لِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا مِنَ الضَّالِّينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ «إِنْ» إِلَى «قَدْ» ، فَمَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: وَاذْكُرُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَمَا ذَكَرَكُمْ بِالْهُدَى، فَهَدَاكُمْ لِمَا رَضِيَهُ مِنَ الْأَدْيَانِ، وَالْمِلَلِ، وَقَدْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ مِنَ الضَّالِّينَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَمَنِ الْمَعْنِيِّ بِالْأَمْرِ بِالْإِفَاضَةِ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَمَنِ النَّاسِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْإِفَاضَةِ مِنْ مَوْضِعِ إِفَاضَتِهِمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَفِيضُوا} قُرَيْشٌ، وَمَنْ وَلَدَتْهُ قُرَيْشٌ الَّذِينَ كَانُوا يُسَمَّوْنَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْحُمْسَ أُمِرُوا فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يُفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ، وَهِيَ الَّتِي أَفَاضَ مِنْهَا سَائِرُ النَّاسِ غَيْرَ الْحُمْسِ.
وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَمَنْ وَلَدَتْهُ قُرَيْشٌ، كَانُوا يَقُولُونَ: لَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ. فَكَانُوا لَا يَشْهَدُونَ مَوْقِفَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ مَعَهُمْ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالْوقُوفِ مَعَهُمْ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ هَبَطَ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي الْمَلَائِكَةِ، فَيَقُولُ: هَلُمَّ إِلَيَّ عِبَادِي، آمَنُوا بِوَعْدِي وَصَدِّقُوا رُسُلِي فَيَقُولُ: مَا جَزَاؤُهُمْ؟ فَيُقَالُ: أَنْ تَغْفِرَ لَهُمْ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} "
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُخَاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَفِيضُوا} الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ، وَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} مِنْ جَمْعٍ، وَبِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ