وَالَّذِي نَرَاهُ صَوَابًا مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، أَنَّهُ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ قُرَيْشًا وَمَنْ كَانَ مُتَحَمِّسًا مَعَهَا مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، فَلَا رَفَثَ، وَلَا فُسُوقَ، وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.
وَهَذَا إِذْ كَانَ مَا وَصَفْنَا تَأْوِيلَهُ فَهُوَ مِنَ الْمُقَدَّمِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ، وَالْمُؤَخَّرُ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ، عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ بَيَانَنًا فِي مِثْلِهِ، وَلَوْلَا إِجْمَاعُ مَنْ وَصَفْتُ إِجْمَاعَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ لَقُلْتُ: أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ عَنَى بِقَوْلِهِ: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ إِبْرَاهِيمُ؛ لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَا شَكَّ أَنَّهَا قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ، وَقِيلَ وُجُوبُ الذَّكَرِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ لَا شَكَّ كَذَلِكَ وَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِفَاضَةِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَفَاضَ مِنْهُ النَّاسُ بَعْدَ انْقِضَاءِ ذِكْرِ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَبَعْدَ أَمْرِهِ بِذِكْرِهِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالْإِفَاضَةِ إِلَّا مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَمْ يُفِيضُوا مِنْهُ دُونَ الْمَوْضِعِ الَّذِي قَدِ أَفَاضُوا مِنْهُ، وَكَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي قَدْ أَفَاضُوا مِنْهُ فَانْقَضَى وَقْتُ الْإِفَاضَةِ مِنْهُ، لَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ: أَفِضْ مِنْهُ. فَإِذَا كَانَ لَا وَجْهَ لِذَلِكَ وَكَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِأَمْرٍ لَا مَعْنَى لَهُ، كَانَتْ بَيِّنَةُ صِحَّةِ مَا قَالَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، وَفَسَادِ مَا خَالَفَهُ لَوْلَا الْإِجْمَاعُ الَّذِي وَصَفْنَاهُ وَتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ بِالَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ.