وَإِنَّمَا تَعْنِي بِذَلِكَ يَوْمًا وَبَعْضَ آخَرَ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} وَإِنَّمَا يَتَعَجَّلُ فِي يَوْمٍ وَنِصْفٍ. وَقَدْ يَفْعَلُ الْفَاعِلُ مِنْهُمُ الْفِعْلَ فِي السَّاعَةِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ عَامًّا عَلَى السَّنَةِ وَالشَّهْرِ، فَيَقُولُ: زُرْتُهُ الْعَامَ وَأَتَيْتُهُ الْيَوْمَ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ فِعْلَهُ أَخَذَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ إِلَى آخِرِهِ، وَلَكِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ فَعَلَهُ إِذْ ذَاكَ وَفِي ذَلِكَ الْحِينِ، فَكَذَلِكَ الْحَجُّ أَشْهُرٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْحَجُّ شَهْرَانِ وَبَعْضُ آخَرَ. فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا: مِيقَاتُ حَجِّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، وَهُوَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} فَمَنْ أَوْجَبَ الْحَجَّ عَلَى نَفْسِهِ وَأَلْزَمَهَا إِيَّاهُ فِيهِنَّ، يَعْنِي فِي الْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي بَيَّنَهَا. وَإِيجَابُهُ إِيَّاهُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَزْمَ عَلَى عَمَلِ جَمِيعِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْحَاجِّ عَمَلُهُ وَتَرْكُ جَمِيعِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَكُونُ بِهِ الرَّجُلِ فَارِضًا الْحَجَّ بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ، عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْفَرْضِ: الْإِيجَابُ، وَالْإِلْزَامُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَرْضُ الْحَجِّ الْإِهْلَالُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: فَرْضُ الْحَجِّ إِحْرَامُهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَامُ كَانَ عِنْدَ قَائِلِهِ الْإِيجَابُ بِالْعَزْمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ عِنْدَهُ بِالْعَزْمِ، وَالتَّلْبِيَةِ، كَمَا قَالَ الْقَائِلُونَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ.