وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ فَرْضَ الْحَجِّ الْإِحْرَامُ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى ذَلِكَ. وَقُلْنَا: إِنَّ الْإِحْرَامَ هُوَ إِيجَابُ الرَّجُلِ مَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ أَنْ يُوجِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ، عَلَى مَا وَصَفْنَا آنِفًا، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ غَيْرَ مُحْرِمٍ إِلَّا بِالتَّلْبِيَةِ وَفِعْلِ جَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُوجِبِ الْإِحْرَامُ عَلَى نَفْسِهِ فِعْلُهُ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْرِمًا إِلَّا بِالتَّجَرُّدِ لِلْإِحْرَامِ، وَأَنْ يَكُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُتَجَرِّدًا فَغَيْرُ مُحْرِمٍ. وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَجَرِّدًا مِنْ ثِيَابِهِ بِإِيجَابِهِ الْإِحْرَامَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ، إِذْ كَانَتِ التَّلْبِيَةُ بَعْضَ مَشَاعِرِ الْإِحْرَامِ، كَمَا التَّجَرُّدِ لَهُ بَعْضُ مَشَاعِرِهِ. وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَرْكِ بَعْضِ مَشَاعِرِ حَجِّهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ مِنْ مَشَاعِرِهِ حُكْمُهُ. أَوْ يَكُونُ إِذْ فَسَدَ هَذَا الْقَوْلُ قَدْ يَكُونُ مُحْرِمًا وَإِنْ لَمْ يُلَبِّ وَلَمْ يَتَجَرَّدْ وَلَمْ يَعْزِمِ الْعَزْمَ الَّذِي وَصَفْنَا.
وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا مَنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْإِحْرَامِ وَيُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ مَا يُنْبِئُ عَنْ فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِذْ فَسَدَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَبَيِّنَةُ صِحَّةِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُحْرِمًا بِإِيجَابِهِ الْإِحْرَامَ بِعَزْمِهِ عَلَى سَبِيلِ مَا بَيَّنَا، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ بِالتَّجَرُّدِ، وَالتَّلْبِيَةِ وَصَنِيعِ بَعْضِ مَا عَلَيْهِ عَمَلُهُ مِنْ مَنَاسِكِهِ. وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ صَحَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ هُوَ مَا قُرِنَ إِيجَابُهُ بِالْعَزْمِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا قَبْلُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا رَفَثَ}