ولما كان للإنسان تلونات بحسب اختلاف الأسماء فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية فِي نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً بمقتضى الحكمة إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذا وقت الغفلة الذي يتخلل ذلك الإمساك أباح له التنزل بعض الأحايين إلى مقارنة النفوس وهو الرفث إلى النساء وعلله بقوله سبحانه: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} أي لا صبر لكم عنها بمقتضى الطبيعة لكونها تلابسكم وكونكم تلابسونهن بالتعلق الضروري {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ} وتنقصونها حظوظها الباقية باستراق تلك الحظوظ الفانية فِي أزمنة السلوك والرياضة {فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فالن} أي وقت الاستقامة والتمكين حال البقاء بعد الفناء {باشروهن} بقدر الحاجة الضرورية {وابتغوا} بقوة هذه المباشرة {مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} من التقوى والتمكن على توفير حقوق الاستقامة والوصول إلى المقامات العقلية {وَكُلُواْ واشربوا} [البقرة: 781] فِي ليالي الصحو حتى يظهر لكم بوادر الحضور ولوامعه وتغلب آثاره وأنواره على سواد الغفلة وظلمتها ثم كونوا على الإمساك الحقيقي بالحضور مع الحق حتى يأتي زمان الغفلة الأخرى فإن لكل حاضر سهماً منها ولولا ذلك لتعطلت مصالح المعاش، وإليه الإشارة بخبر «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولي وقت مع حفصة وزينب» ، ولا تقاربوهن حال اعتكافكم وحضوركم فِي مقامات القربة والأنس ومساجد القلوب {وَلاَ تَأْكُلُواْ} أموال معارفكم {بَيْنِكُمْ} بباطل شهوات النفس، وترسلوا بها إلى حكام النفوس الأمارة بالسوء {لِتَأْكُلُواْ} الطائفة {مّنْ أَمْوَالِ} القوى الروحانية بالظلم لصرفكم إياها فِي ملاذ القوى النفسانية {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188] أن ذلك إثم ووضع للشيء