حديث أم سلمة الذي رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة، قالت: «كنت عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء أخرى» ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» ، فبكى الخصمان، وقال كل واحد منهما: أنا حلّ لصاحبي، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اذهبا فتوخّيا، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه» .
فقه الحياة أو الأحكام:
منعت هذه الآية جميع أفراد الأمة المحمدية من أن يأكل بعضهم مال بعض بغير حق، ويشمل ذلك القمار والخداع والغصوب وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس المالك، أو حرّمته الشريعة وإن أداه الإنسان برضاه، كمهر البغي (الزانية) وحلوان الكاهن وأثمان الخمور والخنازير وغيرها من وجوه اللهو الحرام.
ومن الأكل بالباطل: أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنك مبطل، فالآية صريحة في أن الإثم على من أكل، وهو يعلم أنه ظالم في الأكل، وأما غيره فلا إثم عليه. والحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنه إنما يقضي بالظاهر، كما دلّ حديث أم سلمة المتقدم، وهو الموافق للواقع.
لكن مع ذلك ظهر خلاف في الموضوع بين الفقهاء:
فقال أبو حنيفة: ينفذ حكم القاضي في العقود والفسوخ، ظاهرا وباطنا، لأن مهمته القضاء بالحق، فإذا حكم الحاكم ببينة بعقد أو فسخ عقد، فحكمه نافذ، ويكون كعقد عقداه ابتداء، وإن كان الشهود شهود زور. مثل أن يدعي رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على ادعائه شاهدي زور، فقضى القاضي بعقد الزواج بينهما، حلّ للرجل الاستمتاع بها، ولو قضى القاضي بالطلاق، فرّق بينهما، وإن كان الرجل منكرا. ونفاذ حكم القاضي على هذا النحو مقيد بشرطين:
1 -ألا يعلم بكون الشهود زورا.
2 -وأن يكون من الأمور التي له فيها صلاحية الإنشاء.