قوله: (وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم وكون الْفعْل من جنس ما يؤثم به) اسْتئْنَاف كأنه
قيل ما الْحكْمَة في ذكر الْمَغْفرَة بعد نفي الإثم؟ فأجاب بأن ذكرها لمطابقة ذكر الإثم فإن الْمَغْفرَة
يتعلق بالإثم فهو وإن كان منفيًا هنا لكن لرعاية لفظه حسن ذكر الْمَغْفرَة، عَلَى أن فيه تنبيهًا عَلَى
أن الإصابة في التبديل عَلَى نهج الشرع القويم في غاية الصعوبة قلما يخلو عن التجاوز عن
الحد المستقيم فوعد الله تَعَالَى الْمَغْفرَة والرحمة إن تجاوز الحد، وفيه تنبيه عَلَى أن تبديل الوصية
في غاية من القبح والشناعة حتى أن التبديل عَلَى نهج الصواب يحتاج إلَى عفو الكريم
الوهاب، وإلى هذا التَّفْصيل أشار بقوله وكون الْفعْل من الخ. ولم يتعرض للْقَوْل بأن الْمُرَاد
غفور للجنف والإثم الذي وقع من الموصي بواسطة إصلاح الواصي أو القاضي [وصيته] ؛ لأنه بعيد
لأن وبال تجاوز الحد مغفرته بإصلاح غيره يحتاج إلَى دليل سديد، فلهذا قال وأصلح بينهم أي
أوقع الصلح ولم يقل وأصلح الوصية فإنهم لم يصلحوا الوصية الغير الصواب حتى يستحق
الْمَغْفرَة الموصي بل فعلوا الصلح فيما بينهم.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وذكر الْمَغْفرَة الخ. يريد به دفع ما عسى يسأل ويقال: إن لعل من أراد الإصلاح وبدل
من الإيصاء ما هُوَ غير مشروع إلَى وجه مشروع ليس بإثم، بل هُوَ عمل خير وطاعة فَكَيْفَ يناسب
في حقه ذكر الْمَغْفرَة، والْمَغْفرَة إنما تكون في الذنب والمذنب، وحاصل الدفع أنه روعي المطابقة
اللفظية فقط وإن الْفعْل وهو تبديل الوصية وإن كان إلَى حق هُوَ من جنس ما يؤثم لأن بعض
التبديل وهو التبديل إلَى باطل إثم، وهذا أَيْضًا من المشاكلة الصورية لا المعنوية لأن التبديل إلَى
خير ليس من جنس الإثم؛ لكن صورته صورة ما يؤثم. أقول: يجوز أن يكون ذكر الْمَغْفرَة ناظرًا إلَى
جنس الموصي وتعمده للإثم. والْمَعْنَى غفور للموصي بعد إصلاح الوصي ما أفسده. قال الإمام: أما
قَوْلُه تَعَالَى: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ) ففيه سؤال وهو أن هذا الْكَلَام إنما يليق ممن فعل
فعلًا لا يجوز. أما هذا الإصلاح فهو من جملة الطاعات فَكَيْفَ يليق به هذا الْكَلَام؟ وجوابه من وجوه:
أحدها أن هذا من باب تنبيه الأدنى عَلَى الأعلى، فكأنه قيل أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب
فبأن أوصل رحمتي وثوابي إليك مع أنك تحملت المحن الكثيرة في إصلاح هذا المهم كان أولى.
وثانيها يحتمل أن يكون الْمُرَاد أن ذلك الموصي الذي أقدم عَلَى الجنف والإثم متى أصلحت وصيته
فإنَّ اللَّهَ يغفر له ويرحمه بفضله. وثالثها أن المصلح ربما احتاج في إنشاء الإصلاح إلَى أقوال وأفعال
كان الْأَوْلَى تَرْكُها فإذا علم الله منه أن غرضه ليس إلا الإصلاح فإنه لا يؤاخذه بها؛ لأنه غفور رحيم. انتهى انتهى {حاشِيَتَا القونوي وابن التمجيد، على تفسير البيضاوي. 4/ 486 - 497} ...