وَأَمَّا رَمَضَانُ فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ الَّذِي كَانَ يَكُونُ فِيهِ حَتَّى تَرْمَضُ فِيهِ الْفِصَالُ كَمَا يُقَالُ لِلشَّهْرِ الَّذِي يُحَجُّ فِيهِ ذُو الْحِجَّةِ، وَالَّذِي يُرْتَبَعُ فِيهِ رَبِيعُ الْأَوَّلِ وَرَبِيعُ الْآخَرِ.
وَأَمَّا مُجَاهِدٌ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالُ رَمَضَانُ وَيَقُولُ: لَعَلَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ فِيمَا مَضَى أَنَّ «شَهْرُ» مَرْفُوعٌ عَلَى قَوْلِهِ: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ، هُنَّ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُ رَفْعُهُ بِمَعْنَى ذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَبِمَعْنَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَقَدْ قَرَأَهُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: {شَهْرُ رَمَضَانَ} نَصْبًا، بِمَعْنَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ أَنْ تَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ نَصْبًا بِمَعْنَى أَنْ تَصُومُوا شَهْرَ رَمَضَانَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَقَدْ يَجُوزُ أَيْضًا نَصْبُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِصَوْمِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ: شَهْرُ رَمَضَانَ فَصُومُوهُ، وَجَائِزٌ نَصْبُهُ عَلَى الْوَقْتِ كَأَنَّهُ قِيلَ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ إِنْزَالَهُ إِلَيْهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ"إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي الشَّكُّ مِنْ قَوْلِهِ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} وَقَوْلِهِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} وَقَوْلِهِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وَقَدِ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَوَّالٍ، وَذِي الْقَعْدَةِ وَغَيْرِهِ قَالَ «إِنَّمَا أُنْزِلَ فِي رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَلَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى مَوَاقِعِ النُّجُومِ رَسَلًا فِي الشُّهُورِ، وَالْأَيَّامِ» "
وَأَمَّا قَوْلُهُ {هُدًى لِلنَّاسِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي رَشَادًا لِلنَّاسِ إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ، وَقَصْدِ الْمَنْهَجِ.