يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا مِمَّنْ كُلِّفَ صَوْمَهُ أَوْ كَانَ صَحِيحًا غَيْرَ مَرِيضٍ، وَكَانَ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ. يَقُولُ: فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ فِي سَفَرِهِ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، يَعْنِي مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غَيْرِ أَيَّامِ مَرَضِهِ أَوْ سَفَرِهِ. وَالرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} نَظِيرُ الرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} وَقَدْ مَضَى بَيَانُ ذَلِكَ هُنَالِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فَإِنَّ قِرَاءَةَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} وَعَلَى ذَلِكَ خُطُوطُ مَصَاحِفِهِمْ، وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ خِلَافَهَا لِنَقْلِ جَمِيعِهِمْ تَصْوِيبَ ذَلِكَ قَرْنًا عَنْ قَرْنٍ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوِّقُونَهُ» .
ثُمَّ اخْتَلَفَ قُرَّاءُ ذَلِكَ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَا فُرِضَ الصَّوْمُ، وَكَانَ مَنْ أَطَاقَهُ مِنَ الْمُقِيمِينَ صَامَهُ إِنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَهُ وَافْتَدَى فَأَطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ مِسْكِينًا حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ قَوْلِهِ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} حُكْمًا خَاصًّا لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْعَجُوزِ اللَّذَيْنِ يُطِيقَانِ الصَّوْمَ كَانَ مُرَخَّصًا لَهُمَا أَنْ يَفْدِيَا صَوْمَهُمَا بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ، وَيُفْطِرَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فَلَزِمَهُمَا مِنَ الصَّوْمِ مِثْلُ الَّذِي لَزِمَ الشَّابَّ إِلَّا أَنْ يَعْجَزَا عَنِ الصَّوْمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي كَانَ لَهُمَا قَبْلَ النَّسْخِ ثَابِتًا لَهُمَا حِينَئِذٍ بِحَالِهِ.