وَإِنَّمَا قِيلَ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ} لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا ذَبْحَ مَا قَرَّبُوهُ لِآلِهَتِهِمْ سَمَّوْا اسْمَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي قَرَّبُوا ذَلِكَ لَهَا وَجَهَرُوا بِذَلِكَ أَصْوَاتِهِمْ، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ ذَابِحٍ يُسَمِّي أَوْ لَمْ يُسَمِّ جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ: «مُهِلٌّ» فَرَفْعُهُمْ أَصْوَاتَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ الْإِهْلَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمُلَبِّي فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مُهَلٌّ لِرَفْعِهِ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ؛ وَمِنْهُ اسْتِهْلَالُ الصَّبِيِّ: إِذَا صَاحَ عِنْدَ سُقُوطِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَاسْتِهَلَالُ الْمَطَرِ: وَهُوَ صَوْتُ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ:
[البحر الكامل]
ظَلَمَ الْبِطَاحَ لَهُ انْهِلَالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدُ الْمُقْلَعِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،" {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} يَعْنِي مَا أُهِلَّ لِلطَّوَاغِيتِ كُلِّهَا، يَعْنِي مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ غَيْرِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى"
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَمَنِ اضْطُرَّ} فَمَنْ حَلَّتْ بِهِ ضَرُورَةُ مَجَاعَةٍ إِلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ إِنْ أَكَلَهُ.
وَقَوْلُهُ: {فَمَنِ اضْطُرَّ} افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ، «وَغَيْرَ بَاغٍ» نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ «مَنِ» فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَنِ اضْطُرَّ لَا بَاغِيًا، وَلَا عَادِيًا فَأَكَلَهُ، فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَمَنِ اضْطُرَّ} فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهِ فَأَكَلَهُ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.