وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ. وَلَسْتُ لِلْقِرَاءَةِ بِهِ مُسْتَجِيزًا، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي التَّأْوِيلِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ، لِاتِّفَاقِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِمْ فِيمَا نَقَلُوهُ مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قُرِئَ فِي «حُرِّمَ» بِضَمِّ الْحَاءِ مِنْ «حَرَّمَ» لَكَانَ فِي الْمَيْتَةِ وَجْهَانِ مِنَ الرَّفْعِ: أَحَدُهُمَا مِنْ أَنِّ الْفَاعِلَ غَيْرُ مُسَمًّى، و «إِنَّمَا» حَرْفٌ وَاحِدٌ. وَالْآخَرُ «إِنَّ» وَ «مَا» فِي مَعْنَى حَرْفَيْنٍ، وَ «حَرَّمَ» مِنْ صِلَةِ «مَا» ، وَالْمَيْتَةُ خَبَرُ «الَّذِي» مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِ وَلَسْتُ وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَيْضًا وَجْهٌ مُسْتَجِيزًا لِلْقِرَاءَةِ بِهِ لِمَا ذَكَرْتُ.
وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَإِنَّ الْقُرَّاءَ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِرَاءَتِهَا، فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّخْفِيفِ، وَمَعْنَاهُ فِيهَا التَّشْدِيدُ، وَلَكِنَّهُ يُخَفِّفُهَا كَمَا يُخَفِّفُ الْقَائِلُونَ: هُوَ هَيْنٌ لَيْنٌ، الْهَيْنُ اللَّيْنُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ.
وَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّشْدِيدِ وَحَمَلُوهَا عَلَى الْأَصْلِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا هُوَ «مَيْوِتٌ» ، فَيْعِلٌ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَكِنَّ الْيَاءَ السَّاكِنَةَ وَالْوَاوَ الْمُتَحَرِّكَةَ لَمَّا اجْتَمَعَتَا وَالْيَاءُ مَعَ سُكُونِهَا مُتَقَدِّمَةٌ قُلِبَتِ الْوَاوُ يَاءً وَشُدِّدَتْ فَصَارَتَا يَاءً مُشَدَّدَةً، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي سَيِّدٍ وَجَيِّدٍ. قَالُوا: وَمَنْ خَفَّفَهَا فَإِنَّمَا طَلَبَ الْخِفَّةَ. وَالْقِرَاءَةُ بِهَا عَلَى أَصْلِهَا الَّذِي هُوَ أَصْلُهَا أَوْلَى.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ التَّخْفِيفَ وَالتَّشْدِيدَ فِي يَاءِ الْمَيْتَةِ لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي الْقِرَاءَةِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَبِأَيِّهِمَا قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَيَيْهِمَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَمَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ يُسَمَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ أَوْ قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْأَصْنَامِ