(وَثَالِثُهَا) : أَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنَ الْعِبَارَةِ نَفْيَ الْعَقْلِ عَنْ آبَائِهِمْ بِالْفِعْلِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهَا: أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ لِذَوَاتِهِمْ كَيْفَمَا كَانَ حَالُهُمْ حَتَّى لَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ ؟ كَأَنَّهُ يَقُولُ
إِنَّ اتِّبَاعَ الشَّخْصِ لِذَاتِهِ مُنْكَرٌ لَا يَنْبَغِي ، وَهَذَا قَوْلٌ مَأْلُوفٌ ، فَمَنْ يَقُولُ: أَنَا أَتَّبِعُ فُلَانًا فِي كُلِّ مَا يَعْمَلُ ، يُقَالُ لَهُ: أَتَتَّبِعُهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَعْمَلُ خَيْرًا ؟ أَيْ: أَنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ يَتَّبِعُ آخَرَ لِذَاتِهِ لَا لِكَوْنِهِ مُحَسِنًا وَمُصِيبًا أَنْ يَتَّبِعَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ كُلُّ عَمَلِهِ بَاطِلًا ; لِأَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِلَّا مَنْ يَنْظُرُ وَيُمَيِّزُ ، وَهَذَا لَا يَتَّبِعُ أَحَدًا لِذَاتِهِ كَيْفَمَا كَانَ حَالُهُ .
(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)
بَعْدَمَا بَيَّنَ تَعَالَى فَسَادَ مَا عَلَيْهِ الْمُقَلِّدُونَ مِنِ اتِّبَاعِ مَا وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا زِيَادَةً فِي تَقْبِيحِ شَأْنِهِمْ ، وَالزِّرَايَةِ عَلَيْهِمْ ، بِقَوْلِهِ: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أَيْ: صِفَتُهُمْ فِي تَقْلِيدِهِمْ لِآبَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) أَيْ: كَصِفَةِ الرَّاعِي لِلْبَهَائِمِ