وقيل: اختلافهما لنقصانهما وزيادتهما، إذ ما ينتقص من أحدهما يزداد في الآخر، فدل انتقاصهما وزيادتهما على أن منشئهما واحد؛ لأنه لو كان من اثنين لمنع كل واحد منهما صاحبه من الزيادة والنقصان، وباللَّه التوفيق، ولتغير التدبير، ولا يجري كل عام الأمر فيه على ما جرى عليه في العام الأول.
وقوله: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) فالآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأنه عَزَّ وَجَلَّ جعل الفلك التي تجري في البحر من آياته. والمعتزلة جعلوها من آيات البحارين؛ لأن الفلك قبل أن يعمل فيها وينحت لا تسمى فُلْكا، ولكن يسمى خشبًا، فلو لم يكن عمل العباد وفعلهم فيها من مصنوعه ومخلوقه، لزال به موضع الحجاج وتسميته باسم الآيات؛ فدل أن له فيها صنعًا وتقديرًا حيث صار من عجيب آياته.
ثم فيه أعجوبة، وهو أن الطباع تنفر من مغافصة البحر بالاطلاع على أمواجه وأهواله، وأراهم من عظم آياته مما يجريه في البحر على الحفظ والأمر الواقع لهم؛ فدل أنه من عند قادر لطيف خبير.
وفيه أيضا دلالة وحدانيته؛ وذلك أن أهل البر لهم الانتفاع بأهل البحر، ولأهل البحر الانتفاع بأهل البر على بُعد ما بينهما وتضادهما؛ فدل أن محدثهما واحد.
ثم فيه دلالة إباحة التجارات مع الخطرات على احتمال المشقات وتحمل المؤنات.
وفي ذلك دلالة النبوة؛ لأن يعلم أن اتخاذ السفن وبما فيه من المنافع لا يقوم له تدبير البشر، ثبت أنه علم ذلك ممن علم جواهر الأشياء، وما يصلح الأشياء وما لايصلح، وفي الحاجة إلى ذلك إيجاب القول بالرسالة للبشر.
وقوله: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ) ، وفيه دلالة فضل العلوي على السفلي؛ لأن ما ينزل من السماء من الماء ينزل عذبًا، وما يخرج من الأرض يخرج مختلفًا: منه ما هو عذب ومنه ما هو أجاج، ومنه ما هو مر. فدل ذا على فضل العلوي على السفلي.