الأول والثاني منها ذكره بقوله: {إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ أي: إن في إيجادهما على غير مثال سبق مع عظمهما وكثرة أجزائهما، وقيل: الخَلْقُ هنا بمعنى المخلوق؛ إذ الآيات التي تشاهد إنما هي في المخلوق الذي هو السماوات والأرض، وحينئذ فإضافته بيانية، وإنما جمع السماوات؛ لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخرى، وأفرد الأرض؛ لأنها جنس واحد وهو التراب.
والآيات في السماء هي: سمكها، وارتفاعها بغير عمد ولا علَّاقة، وما يُرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، وفي ذلك كله ما يدل على أنه صادر من إله واحد لا شريك له في الخلق والتقدير، والحكمة والتدبير.
وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ
والآيات في الأرض: مدها، وبسطها على الماء، وما يرى فيها من الجبال والبحار والمعادن والجواهر والأنهار والأشجار والثمار {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} .
وذكر الثالث منها بقوله: {و} في {اختلاف الليل والنهار} ؛ أي: في تعاقبهما بمجيء أحدهما، وذهاب الآخر، واختلافهما في الطول والقصر، والزيادة والنقصان، والنور والظلمة، وإنما قُدِّم الليل على النهار؛ لأن الظلمة أقدم، والآيات في الليل والنهار تعاقبهما بالمجيء والذهاب واختلافهما فيما ذكر، واختلاف انتظام أحوال العباد في معاشهم بالراحة في الليل، والسعي والكسب في النهار.
وذكر الرابع منها بقوله: {و} في الفلك والسفن {الَّتِي تَجْرِي} وتسير {في الْبَحْرِ} والماء العميق.
والآياتُ في السفن: جريانها على وجه الماء؛ وهي موقرة بالأثقال والرجال فلا ترسب، وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة، وتسخير البحر لحمل السفن، مع قوة سلطان الماء وهيجان الجر، فلا يُنجي منه إلا الله تعالى.