وفي الآيات توكيد أو تأييد لما نبهنا عليه أكثر من مرة في مناسبات سابقة من أن ما احتوته آيات القرآن من حملات شديدة على الكفار وما وصفتهم بها من قوة القلب وعمى البصيرة وعدم الاهتداء واستحقاقهم لعنة الله إنما هو تسجيل لواقع أمرهم حين نزولها وأنه إنما يظل واردا ولازما بالنسبة للذين ماتوا وهم كفار.
استطراد إلى موضوع لعن الكفار وغيرهم
ولقد وقف المفسرون عند هذه الآيات، فمنهم من أجاز لعن الكفار عامة في الحياة بعد الممات بدون تعيين، ومنع لعن كافر بعينه لأنه لا يعلم إلا الله ما إذا كان تاب قبل الموت فصار في نطاق الاستثناء الذي جاء في الآية الثانية. وقاس على ذلك الظالمين والكاذبين والمنافقين والفاسقين. ومنهم من أجاز لعن كافر بعينه إذا ما كان متيقنا من كفره عند لعنه لأنه يكون مستحقا للعن وقاس على ذلك الظالمين والكاذبين والمنافقين والفاسقين بأعيانهم. ويتبادر لنا أن الرأي الأول هو الأوجه.
لأن المرء لا يعلم حالة الناس وسرائرهم علما يقينيا يجعله على يقين بأن الذي يلعنه منهم بعينه مستحق للعنة حقا. وهناك أحاديث نبوية نراها تدعم هذا الرأي من ذلك حديث رواه الخمسة عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قذف مؤمنا بكفر فهو كمن قتله» . وحديث رواه البخاري عن أنس جاء فيه: «لم يكن
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاحشا ولا لعّانا ولا سبّابا. كان يقول عند المعتبة ما له ترب جبينه». وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة جاء فيه: «قيل يا رسول الله ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث لعّانا وإنما بعثت رحمة» . وحديث رواه أبو داود عن سمرة جاء فيه: «من لعن شيئا ليس بأهل رجعت اللعنة عليه» . وحديث رواه الترمذي عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» .
ولقد جعلت هذه الأحاديث كثيرا من العلماء يذهبون إلى أنه لا ينبغي للمسلم أن يلعن قطّ، وأنه ليس في الآيات التي نحن في صددها إيعاز بلعن أحد وإنما هي من قبيل الوعيد الرباني ويتحاشون عن لعن أحد معيّنا كان أم غير معيّن.