لَوْلَا أَنْ حِيلَ بَيْنَ الْمُقَلِّدِينَ وَهِدَايَةِ الْقُرْآنِ لَكَانَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَشَدُّ زِلْزَالٍ لِجُمُودِهِمْ عَلَى أَقْوَالِ النَّاسِ وَآرَائِهِمْ فِي الدِّينِ ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الْأَحْيَاءِ أَمِ الْمَيِّتِينَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّقْلِيدُ فِي الْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ أَمْ فِي أَحْكَامِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ; إِذْ كُلُّ هَذَا مِمَّا يُؤْخَذُ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ رَأْيٌ وَلَا قَوْلٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ مُتَعَلِّقًا بِالْقَضَاءِ وَمَا يَتَنَازَعُ فِيهِ النَّاسُ فَلِأُولِي الْأَمْرِ فِيهِ الِاجْتِهَادُ بِشَرْطِهِ إِقَامَةً لِلْعَدْلِ وَحِفْظًا لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ .
وَإِنَّمَا الْعُلَمَاءُ نَقَلَةٌ وَأَدِلَّاءٌ لَا أَنْدَادٌ وَلَا أَنْبِيَاءٌ ، فَلَا عِصْمَةَ تَحُوطُ أَحَدَهُمْ فَيُعْتَمَدُ عَلَى فَهْمِهِ وَقُصَارَى الْعَدَالَةِ أَنْ يُوثَقَ بِنَقْلِهِ وَيُسْتَعَانَ بِعِلْمِهِ ، وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ يُرَدُّ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، فَهُنَاكَ الْقَوْلُ الْفَصْلُ وَالْحُكْمُ الْعَدْلُ . وَاللهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا مَرَدَّ لِأَمْرِهِ .
فِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْمَتْبُوعِينَ وَالتَّابِعِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) (7: 38 ، 39) فَكُلٌّ يُؤَاخَذُ بِعَمَلِهِ .