الممتحنين المختبرين ليظهر للناس حَقيقَة الحال. ومراده أنه ذكر العلم وأريد سببه وهو
الامتحان وهو إنما هُوَ لمن يجهل العراقب فهو في شأنه تَعَالَى محمول عَلَى الاسْتعَارَة
التمثيلية، وقد أوضحناه في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذ ابْتَلَى إبْرَاهيمَ رَبُّهُ بكَلمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ)
الآية. فلا تقدير في الْكَلَام ولا جمع أَيْضًا بين الْحَقيقَة والْمَجَاز وإن جاز
ذلك عند المص.
قوله: (ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها ممن يرتد عن دينك إلفًا لقبلة آبائه) وتعلم
بالتاء خطابًا له عَلَيْهِ السَّلَامُ ولو قرئ بالنون يكون الْمَعْنَى ونعلم حِينَئِذٍ بالتعلق الحادث كما
سيفصله، فلا حاجة إلَى حمله عَلَى الامتحان، وحصل من بيانه جوابان عن السؤال الآتي رمزًا
وتلويحًا لكن القراءة بالتاء أحسن من يتبعك إشَارَة إلَى أن اللام في الرَّسُول للعهد والتَّعْبير
بالرَّسُول للتنويه وتفخيم شأنه وللتحريض عَلَى اتباعه أو للثناء عَلَى متبعيه في الصلاة مُسْتَفَاد
من ذكر الْقبْلَة وإلا فالاتباع في كل أمر من أمور الدين واجب. (ممَّنْ يَنْقَلبُ عَلَى عَقبَيْه) كناية
عن الارتداد معاذ الله تَعَالَى ولذا قال ممن يرتد عن دينك إلفًا. أي [لإلفة] قبلة آبائه إبْرَاهيم
وإسماعيل عليهما السلام وهي الكعبة، فالْمُرَاد بمن برتد أهل مكة.
قوله: (أو لنعلم الآن من يتبع الرَّسُول ممن لا يتبعه) أو لنعلم بالتعلق الحالي، فعلى
هذا قوله لنعلم عَلَى حَقيقَة الحال وليس بمجاز عن الامتحان، وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن
قوله آنفًا وتعلم بالتاء لا بالنون لأنه حِينَئِذٍ إما أن يكون الْمُرَاد العلم الآن أو مَجَازًا عن
الامتحان فيكون تكرارًا عَلَى الوَجْهَيْن من يتبع الرَّسُول في الصلاة إليها أو مُطْلَقًا وللإشَارَة
إلى الاحتمالين لم يذكر في الصلاة؛ إذ في العموم يدخل الاتباع في الصلاة دخولًا أوليًّا. ممن
لا يتبعه. أي ممن يرتد كما مرَّ والتفنن من شعب البلاغة.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
بالتي الكعبة وقوله: (إلَّا لنَعْلَمَ) الآية. بأن الْحكْمَة في جعل الكعبة قبلة ثانيًا. وقوله
أو لنعلم الآن من يتبع الرَّسُول ممن لا يتبعه عَلَى أن يكون الْمُرَاد بها بيت المقدس فيكون قوله
سبحانه: (إلَّا لنَعْلَمَ) الآية. بيانًا للحكمة في جعل بيت المقدس كان أمرًا عارضًا
لغرض، وإنَّمَا جعلنا الْقبْلَة الآن الجهة التي [كنت] عليها في مكة قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس
لنمتحن الآن النَّاس وننظر من يتبع الرَّسُول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه. أقول: فالأشبه عَلَى الوجه
الأول أن يكون الْمُرَاد بمَن في قَوْلُه تَعَالَى:(مَنْ يَتَّبعُ الرَّسُولَ[ممَّنْ يَنْقَلبُ عَلَى
عَقبَيْه]) من آمن بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - من الْيَهُود فإن من أخلص منهم في إيمانه يتبعه في التوجه إلَى الكعبة وإن
كانت مخالفة لقبلة آبائه ومن لم يخلص لم يتبعه؛ لأن علة اتباعه له عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ موافقته له في
قبلته تألفًا له، ولما أمر بالتوجه إلَى الكعبة وجعلت قبلة وهي عَلَى خلاف قبلة آبائه أبى ونكص عن
الاتباع وهي الموافقة الْمَذْكُورة، وهذا هُوَ معنى قوله وما كان لعارض يزول بزواله، وعلى الوجه الثاني
أن يكون الْمُرَاد به من آمن من الْكُفَّار الَّذينَ هم غير الْيَهُود، ويكون معنى قَوْلُه تَعَالَى:(مَنْ يَتَّبعُ
الرَّسُولَ)عَلَى الأول من يستمر ويثبت عَلَى اتباعه. وأشار إليه بقوله (إلَّا لنَعْلَمَ)
الثابت عَلَى الْإسْلَام الخ. وعلى الثاني من يحدث الاتباع ولم يتعرض له؛ لأن من يتبع
حِينَئِذٍ عَلَى ظاهره لا يحتاج إلَى البيان.