قال الفراء: ويقال: وسطتُ القوم سِطةً ووسوطًا إذا دخلت وسطهم: قال الله تعالى: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} [العاديات: 5] .
فأما التفسير: فقال عُظْم أهل التفسير في قوله: {أُمَّةً وَسَطًا} أي: عدلًا خيارًا، وروي ذلك في حديث مرفوع، أخبرناه الأستاذ أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي رحمه الله، ثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص الزاهد، ثنا إبراهيم بن عبد الله الكوفي العبسي، ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، فذلك قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} ".
والوسط: العدل، ثم اختلفوا لِمَ سمّي العدل وسطًا؟ فقالت طائفة: هذا مأخوذ من وسط الوادي والقاع، وهو خير موضح فيه، وأكثره كَلأً وماءً، وذلك أن في غالب الأمر الماء يبرح وسط الوادي؛ لأنه في الصيف وشدة الحر ينحسر عن الأطراف إلى جوف الوادي، فيكون الكلأ هناك أكثر، ولذلك تقول العرب: انزل وسط الوادي، أي: خير مكان منه، فعلى هذا (الوسط) اسم وصف به، ومنه قول زهير:
هم وَسَطٌ يرضى الأنام بحكمهم البيت.
ويحتمل على هذا الاشتقاق: أنه أراد: هم وسط بين طرفين:
أحدهما: الغلو.
والثاني: التقصير، وهما مذمومان، وهذا قول الكلبي.
قال أهل المعاني: لما صار ما بين الغلو والتقصير خيرًا منهما صار الوسط، والأوسط عبارة عن كل ما هو خير، وإن لم يتصور فيه الغلو والتقصير، حتى قالوا: هو من أوسطهم نسبًا، أي: خيرهم، قال الله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] قيل في تفسيره: خيرهم وأعدلهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"خير هذا الدين النمط الأوسط". فعلى هذا، أمة
محمد - صلى الله عليه وسلم - وسط، أي: عدول؛ لأنهم لم يغلوا غلو النصارى، ولا قصّروا تقصير اليهود، في حقوق أنبيائهم، بالقتل والصلب.