والروايةُ المشهورةُ الصحيحةُ أنَّ العَوْدَ هو إرادةُ الوطْءِ، لا الوطْء، وبهذا قالَ أبو حنيفةَ، وأحمدُ؛ لأنه عادَ فيما قالَ من تحريمِ المرأة.
وقال الشافعيُّ: العَوْدُ هو إمساكُ المرأةِ بعدَ الظِّهارِ زمانًا يمكِنُ فيه
الطَّلاقُ، فهذا لم يُحَققْ ما أرادَ من تَحْريمِها بالطَّلاقِ، فإمساكُه يدلُّ على أنه عائدٌ فيما قالَ؛ بدليلِ أَنَّ رفعَ الإمساكِ يرفعُ الكَفارَةَ، وهو إذا طَلَّقَ عقيبَ الظهارِ، فبقاءُ الإمساكِ يدلُّ على بَقاءِ الكَفارَةِ.
قالَ الشافعي - رحمَهُ اللهُ تَعالى -: الذي حَفِظْتُ مِمَّا سمعت في الذين يعودون لِما قالوا أَنَّ المُتَظاهِرَ حَرَّمَ امرأتهُ بالظهارِ، فإذا أتتْ عليهِ مدةٌ بعدَ القولِ بالظهار، لم يُحَرِّمْها بالطَّلاقِ الَّذي يحرمُ بهِ، ولا بشيءٍ يكونُ له مخرجٌ من أن يحرم به، فقد وجبتْ عليهِ كَفارَةُ الطهارِ، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسَكَ ما حَرَّمَ على نَفْسِه أنه حَلالٌ، فقد عادَ لِما قالَ، فخالَفَهُ، فأَحَلَّ ما حَرَّمَ.
قال: ولا أعلمُ مَعْنًى أَوْلى بهِ من هذا.
قال: ولا أعلمُ مُخالفًا في أَنَّ عليهِ كفارةَ الظهارِ، وإنْ لمْ يتظاهَرْ ظِهاراً آخَرَ.
ولما رأى مالكٌ - رحمَهُ اللهُ - عدمَ ظُهور مَعْنى العَوْدِ في الإمساكِ، جعلَ العَوْدَ إرادةَ الوطْءِ والإمساكَ جميعًا.
وقولُ مالِكٍ أقربُ إلى المَعْنى، وقولُ الشافِعيِّ أَحْوَطُ في وجُوبِ الكَفارَةِ، واللهُ أعلمُ.
* ثمَّ بينَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الكَفارَةَ وخِصالَها، وأنها إِعْتاقٌ، فإن لمْ يجدْ، فصيامُ شهرينِ مُتَتابِعَيْنِ، فإن لم يَسْتَطعْ، فإطعامُ سِتينَ مسكيناً.
وقد أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّها على التَّرتيبِ كما بيَنَها اللهُ تَعالى.
وأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الرَّقَبةَ، ولم يُقيِّدْها بالإِيمان كما قَيدَها في كَفّارَةِ القَتْلِ: فأخذ أبو حنيفةَ - رحمهُ اللهُ تَعالى - بالإطلاقِ، فأجازَ عتقَ الرقبةِ الكافرةِ ما لم تكنْ وثنيةً ولا مرتدة.
والشافعي - رحمهُ اللهُ تَعالى - حملَ هذا الإطلاقَ على التقييدِ في القَتْل؛ كما هو مذهبُه، في حَمل المطلقِ على المقيدِ عندَ اختلافِ السبَبِ.
ووافقَهُ مالكٌ على اشتراطِ الإيمانِ.
فإن قلتَ: فهل تجدُ في السُّنَّةِ دليلاً على اشتراطِ الإيمانِ؟