وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً، وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها، ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أي وجعلنا في قلوب أتباعه وهم الحواريون وأنصارهم رقة في الطبع ورحمة بالخلق، خلافا لليهود القساة، وابتدعوا الرهبانية من جهة أنفسهم، ولم يشرعها الله لهم، ولم يأمرهم بها، بل ساروا عليها غلوا في العبادة، وحمّلوا أنفسهم المشقات في الامتناع عن المطعم والمشرب والزواج، وانعزلوا عن الناس وانقطعوا إلى العبادة في الكهوف والصوامع، ولبسوا الملابس الخشنة، تقربا إلى الله تعالى.
ولكنهم ابتدعوا الرهبانية بقصد مرضاة الله، غير أنهم لم يراعوها حق الرعاية، ولم يحافظوا على أصولها، بل ضيّعوها، واستعملها كثير منهم في الفساد.
وهذا- كما قال ابن كثير- ذمّ لهم من وجهين:
أحدهما- الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله تعالى.
والثاني- أنهم لم يقوموا بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل.
روى ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن مسعود، قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منهم إلا ثلاث فرق قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة، فقتلت، فصبرت، ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير، وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال، فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكر الله تعالى: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ.
فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي فأعطينا المؤمنين إيمانا صحيحا ثوابهم الذي يستحقونه بالإيمان، وكثير من هؤلاء المترهبين فاسقون خارجون عن حدود الله وطاعته، يأكلون أموال الناس بالباطل، وسلوكهم منحرف.