وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ أي تالله لقد بعثنا نوحا أب البشر الثاني إلى قومه وإبراهيم خليل الرحمن أبا الأنبياء وأبا العرب إلى قوم آخرين، وجعلنا الرسالة والنبوة في ذريتهما، فكل الأنبياء من سلالتهما، فلم يرسل الله بعدهما رسولا ولا نبيا إلا من ذريتهما، وكذلك جعلنا الكتب المنزلة فيهما، فلم ينزل الله كتابا ولا أوحى إلى بشر وحيا إلا من سلالتهما.
فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي كان مصير الذرية الانقسام إلى فريقين، فمنهم جماعة مهتدون إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، وكثير منهم خارجون عن حدود الله وطاعته، وتلك سنة الله مع الأنبياء جميعا.
وهذا دليل على أن الانحراف والخروج عن جادة الحق كان بعد التمكن من معرفته والوصول إليه وقيام الحجة عليهم.
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا أي ثم بعثنا بعدهم رسلا تترى، رسولا بعد رسول، وبعضهم بعد بعض، مع مرور العصور، وذلك إلى أن انتهى الأمر إلى أيام عيسى عليه السلام، فخصه بالذكر لشهرته في عصر التنزيل، فقال:
وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ أي وأتبعنا سلسلة الرسل بعيسى عليه السلام، وأعطيناه الإنجيل: وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه، متضمنا أصول شرعه، ومكملا لما في التوراة، وموضحا حقيقة الشريعة وحكمتها، ومخففا بعض أحكامها القاسية التي شرعت تغليظا على بني إسرائيل لظلمهم وفحشهم، كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء 4/ 160] .
ثم ذكر الله تعالى بعض صفات أتباع عيسى، فقال: